top of page

(مُسْتَفْعِ لُنْ) مفروقة الوتد في بحر الـخـفيـف

تاريخ التحديث: ١ نوفمبر ٢٠٢٣


شاكر الغزي
شاكر الغزي

‭ ‬الخفيف‭ ‬من‭ ‬الأنساق‭ ‬الإيقاعيّة‭ ‬الشائعة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي؛‭ ‬فهو‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشُّهرة‭ ‬والانتشار؛‭ ‬إذا‭ ‬يُشكِّل‭ ‬لوحده‭ ‬ما‭ ‬يقرُب‭ ‬من‭ ‬عُشْر‭ ‬الشِّعر‭ ‬العربيّ،‭ ‬قديمه‭ ‬وحديثه‭.‬ ومن‭ ‬القديم،‭ ‬جاءت‭ ‬على‭ ‬وزنه‭ ‬معلّقة‭ ‬الحارث‭ ‬بن‭ ‬حِلِّزَة‭ ‬(1‭) ‬اليشكُريّ‭: (‬آذَنَتْنا‭ ‬ببينها‭ ‬أَسماءُ‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬نظم‭ ‬عليه،‭ ‬أيضاً،‭ ‬غير‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭. ‬ونظم‭ ‬عليه‭ ‬الحارث‭ ‬بن‭ ‬عُبَاد‭ ‬لاميتّه‭ ‬المشهورة‭ ‬التي‭ ‬يقول‭ ‬فيها‭: (‬قرِّبا‭ ‬مربطَ‭ ‬النَّعَامةِ‭ ‬منّي‭)‬،‭ ‬ولامية‭ ‬أخرى‭. ‬ونظم‭ ‬عليه‭ ‬عنترة‭ ‬العبسيّ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭. ‬ونظم‭ ‬الأعشى‭ ‬الكبير‭ ‬ميمون‭ ‬بن‭ ‬قيس،‭ ‬لاميّته‭: (‬ما‭ ‬بُكاءُ‭ ‬الكبيرِ‭ ‬بالأَطْلالِ‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬عدّها‭ ‬القرشيّ‭ ‬في‭ ‬جمهرة‭ ‬أَشعار‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬السُّموط‭ ‬المعلّقات‭.‬

قال‭ ‬عنه‭ ‬الشيخ‭ ‬جلال‭ ‬الحنفيّ‭: ‬هو‭ ‬بحر‭ ‬جميل‭. ‬ووصفه‭ ‬ميخائيل‭ ‬خليل‭ ‬الله‭ ‬ويردي‭ ‬بالخفّة،‭ ‬وبأنه‭ ‬ذو‭ ‬رنة‭ ‬ناعمة‭. ‬وهو‭ ‬ــ‭ ‬بحسب‭ ‬الأستاذ‭ ‬الراضي‭ ‬ـ‭ ‬وسَطٌ‭ ‬بين‭ ‬الفخامة‭ ‬والرقّة،‭ ‬ليس‭ ‬كالطويل‭ ‬في‭ ‬فخامته‭ ‬وجلاله،‭ ‬ولا‭ ‬كالمنسرح‭(‬2‭ ) ‬في‭ ‬لينه‭ ‬وتكسّره؛‭ ‬لذا‭ ‬كان‭ ‬صالحاً‭ ‬للحماسة‭ ‬والفخر،‭ ‬وما‭ ‬إليهما‭ ‬من‭ ‬موضوعات‭ ‬الجدّ،‭ ‬كما‭ ‬صَلُح‭ ‬للغزل‭ ‬والرثاء،‭ ‬وما‭ ‬إليهما‭ ‬من‭ ‬موضوعات‭ ‬الرقّة‭ ‬واللِّين‭. ‬

صيغته‭ ‬القياسيّة‭( ‬3‭)‬،‭ ‬هي‭:‬

فاعلاتن مفاعلن فاعلاتن

فاعلاتن مفاعلن فاعلاتن

وبالرُّموز‭: ‬

‭/‬0‭//‬0‭/‬0‭ //‬0‭//‬0 ‭ /‬0‭//‬0‭/‬0‭ /‬0‭//‬0‭/‬0 ‭//‬0‭//‬0 ‭/‬0‭//‬0‭/‬0

وبالمقاطع‭ ‬الصَّوتية‭: ‬

5-55 -5-5‭ ‬ 5-55 5-55 -5-5‭ ‬ 5-55


إلّا‭ ‬أنَّ‭ ‬كتب‭ ‬العروض‭ ‬تتّفق‭ ‬جميعها‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬صيغته‭ ‬القياسية‭ ‬هي‭: ‬

فاعلاتن‭ ‬مستفعلن‭ ‬فاعلاتن

مرَّتين. ‬والتفعيلة‭ ‬الوسطى‭ ‬تُكتب‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬القديمة‭ ‬هكذا‭ (‬مُسْتَفْعِ‭ ‬لُن‭)‬،‭ ‬ويُسمّونها‭ ‬مفروقة‭ ‬الوتد،‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬الوتد‭ ‬المفروق،‭ ‬وهي‭ ‬تتركب‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬مقاطع‭ ‬عروضيّة‭:‬

1- سبب خفيف (مُسْ = ).

2- وتد مفروق (تَفْعِ = /ه/).

3- سبب خفيف (لُن = ).

والغاية‭ ‬من‭ ‬ابتكار‭ ‬هذه‭ ‬التفعيلة،‭ ‬هي‭ ‬أنَّ‭ ‬الزِّحاف‭ ‬في‭ ‬منهج‭ ‬الخليل‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬الحرف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬السَّبب‭ ‬لا‭ ‬غير،‭ ‬ولمَّا‭ ‬كان‭ ‬أوّل‭ ‬تفعيلة ‭ )‬مستفعلن‭ (‬سببين‭ ‬خفيفين‭ ‬هما‭ )‬مُسْ)‭ ‬و ‭)‬تَفْ) ‬كان‭ ‬من‭ ‬الجائز‭ ‬أنْ‭ ‬تُحذف‭ ‬السين والفاء؛‭ ‬لأنّهما‭ ‬ثواني‭ ‬السببين‭ ‬وفق‭ ‬قاعدة‭ ‬الزحاف‭ ‬النظرية،‭ ‬ولكنَّ‭ ‬الاستقراء‭ ‬العمَليّ‭ ‬للشعر‭ ‬العربيّ‭ ‬لم‭ ‬يُظهرْ‭ ‬إمكانيّة‭ ‬حذف‭ ‬فاء‭ ‬مستفعلن‭ ‬ــ‭ ‬الرابع‭ ‬الساكن‭ ‬ــ‭ ‬في‭ ‬الخفيف‭! ‬فارتأى‭ ‬الخليل‭ ‬نفي‭ ‬صفة ‭ )‬ثاني‭ ‬سبب) ‬عن‭ ‬فاء‭ ‬مستفعلن‭(‬4‭)‬؛‭ ‬وذلك‭ ‬بجعلها‭ ‬وسط‭ ‬وتد،‭ ‬لأنّ‭ ‬الأوتاد‭ ‬في‭ ‬نظريته‭ ‬لا‭ ‬يدخلها‭ ‬الزِّحاف‭. ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الوتد‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬هو‭ ‬حرفان‭ ‬متحرِّكان‭ ‬يتبعهما‭ ‬ساكن‭ (//‬0‭)‬؛‭ ‬فابتكر‭ ‬مصطلح‭ ‬الوتد‭ ‬المفروق‭ ‬بنقل‭ ‬الساكن‭ ‬إلى‭ ‬المنتصف،‭ ‬وسمَّى‭ ‬الوتد‭ ‬السابق‭ ‬بالوتد‭ ‬المجموع‭(‬5‭)! ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬الخليل‭ ‬يُشدِّد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قواعده‭ ‬العروضية‭ ‬شاملة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تقنين‭ ‬العروض‭ ‬العربيّ‭. ‬وهذا‭ ‬بحدّ‭ ‬ذاته‭ ‬يجعل‭ ‬وضع ‭ )‬مستفعلن)‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الخفيف‭ ‬قلقاً‭. ‬وأَيضاً،‭ ‬يُوقع‭ ‬في‭ ‬مشكلة‭ ‬أخرى‭ ‬وهي‭ ‬القول‭ ‬بجواز‭ ‬حذف‭ ‬نون‭ )‬مستفعلن)؛‭ ‬لأنّها‭ ‬عندئذٍ‭ ‬ستصير‭ ‬ثاني‭ ‬سبب‭! ‬والواقع‭ ‬الشعريّ‭ ‬لا‭ ‬يدعم‭ ‬ذلك‭. ‬والمتأخِّرون‭ ‬يرفضون‭ ‬تفعيلة‭ )‬مستفع‭ ‬لن‭ ( ‬ويعدّونها‭ ‬ممّا‭ ‬لا‭ ‬مسوِّغ‭ ‬له،‭ ‬يقول‭ ‬الشيخ‭ ‬جلال‭ ‬الحنفيّ‭: ‬هي‭ ‬تكرار‭ ‬لتفعيلة‭ )‬مستفعلن)‭‬،‭ ‬ولسنا‭ ‬بحاجة‭ ‬إليها‭ ‬بهيئتها‭ ‬هذه؛‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬العروضيّون‭ ‬قد‭ ‬استخدموها‭ ‬لأغراض‭ ‬تتلاءم‭ ‬ونظام‭ ‬عروضهم‭ ‬القديم‭. ‬ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬الجوهريّ‭ ‬والقرطاجنّي‭ ‬كانا‭ ‬يرفضان‭ ‬ذلك،‭ ‬أيضاً‭. ‬

وقد‭ ‬رفضنا‭ ‬كلا‭ ‬تفعيلتي‭ )‬مستفع‭ ‬لن‭( ‬و‭)‬مستفعلن‭( ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الخفيف،‭ ‬وأثبتنا‭ )‬مفاعلن‭( ‬ استناداً‭ ‬إلى‭ ‬عدّة‭ ‬مؤشِّرات‭:‬

1-إنَّ‭ )‬مستفعلن) ‬لها‭ ‬صورتان‭ ‬بديلتان‭ ‬هما‭ )‬مفاعلن)‭ ‬و(مفتعلن)‭‬،‭ ‬ وهنا‭ ‬لا‭ ‬تجوز‭ ‬منهما‭ ‬إلّا‭ ‬صورة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬هي‭ )‬مفاعلن‭(

2-رفض‭ ‬الخليل‭ ‬تفعيلة‭ )‬مستفعلن)‭ ‬واقترح‭ ‬مكانها‭ ‬تفعيلة‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ )‬مستفع‭ ‬لن‭(‬؛‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬التفعيلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬إلى‭)‬مفاعلن) فقط‭ ‭.‬

3-ليس‭ ‬من‭ ‬المنطقيّ‭ ‬أنّ‭ ‬التفعيلة‭ ‬البديلة‭ )‬مفاعلن) ‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الشعريّ‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمثال‭ ‬التفعيلة‭ ‬الأصيلة‭ )‬مستفعلن)! ‬فهذا‭ ‬خلاف‭ ‬المعتاد؛‭ ‬وعليه‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنَّ‭ ‬الحالة‭ ‬معكوسة،‭ ‬فـ‭)‬مفاعلن‭( ‬هي‭ ‬الأصل.


‭(‬1‭)‬امرأَة‭ ‬حِلِّزة‭: ‬بخيلة‭. ‬قال‭ ‬الجوهري‭: ‬وبه‭ ‬سُمِّيَ‭ ‬الحرث‭ ‬ابن‭ ‬حِلِّزَة‭. ‬وقال‭ ‬الأَزهري‭: ‬قال‭ ‬قطرب‭ ‬الحِلِّزَة‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬النبات،‭ ‬قال‭: ‬وبه‭ ‬سم‭ ‬الحرث‭ ‬بن‭ ‬حِلِّزة‭ ‬اليَشْكُري؛‭ ‬قال‭ ‬الأَزهري‭: ‬وقطرب‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الثقات‭ ‬وله‭ ‬في‭ ‬اشتقاق‭ ‬الأَسماء‭ ‬حروف‭ ‬مُنْكرة،‭ ‬وحِلِّزَة‭: ‬دُوَيْبَّةٌ‭ ‬معروفة‭. ‬وقال‭ ‬الأَصمع‭: ‬حَلَزُون‭ ‬دابة‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬الرِّمْثِ‭. ‬ويلاحظ‭ ‬أنّ‭ ‬اسم‭ ‬الحارث‭ ‬كان‭ ‬يكتب‭ ‬قديماً‭ ‬الحرث،‭ ‬إذ‭ ‬تحذف‭ ‬الألف‭ ‬منه‭ ‬تخفيفاً‭ ‬لكثرة‭ ‬الاستخدام‭ ‬وأَمْن‭ ‬اللبس‭. ‬أما‭ ‬الآن‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬ذلك‭ ‬شائعاً؛‭ ‬فلا‭ ‬تحذف‭ ‬ألفه‭. ‬يقول‭ ‬الشيخ‭ ‬محمود‭ ‬الببلاوي‭ ‬في‭ ‬أرجوزته‭ ‬التعليمية‭ ‬(بهجة‭ ‬الطلّاب)‭ ‬ عن‭ ‬حذف‭ ‬الألف،‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬ما‭ ‬يحذف‭ ‬من‭ ‬الحروف‭:‬

كَذَاكَ‭ ‬في‭ ‬الْحَارِثِ‭ ‬والرَّحْمنِ‭ ‬واللهِ‭ ‬والإِلهِ‭ ‬ذِي‭ ‬الْفُرْقانِ

‭(‬2‭)‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يُوحي‭ ‬بانسلاخ‭ ‬الخفيف‭ ‬من‭ ‬المنسرح،‭ ‬يقول‭ ‬الشيخ‭ ‬الحنفيّ‭: ‬الذي‭ ‬يميل‭ ‬إليه‭ ‬الحسّ‭ ‬أنّ‭ ‬الخفيف‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬مشتقّات‭ ‬المنسرح،‭ ‬فللعلّه‭ ‬قيل‭ ‬فيه‭ ‬المنسرح‭ ‬الخفيف،‭ ‬ثمّ‭ ‬استقرّت‭ ‬تسميته‭ ‬على‭ ‬الصفة‭ ‬التي‭ ‬وصف‭ ‬بها‭.‬

‭(‬3‭)‬اعتبرنا‭ )‬مفاعلن) ‬في‭ ‬الصيغة‭ ‬القياسية‭ ‬للنسق‭ ‬الخفيف،‭ ‬خلافاً‭ ‬لقولهم‭ )‬مستفعلن‭( ‬أو(مستفعِ‭ ‬لن‭(‬؛‭ ‬إذ‭ ‬نعتقد‭ ‬ما‭ ‬يعتقده‭ ‬الأخفش‭ ‬من‭ ‬كون ‭)‬مفاعلن‭( ‬ هي‭ ‬التفعيلة‭ ‬الأصيلة‭ ‬و(مستفعلن)‭ ‬هي‭ ‬بديلتها،‭ ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬بأساً‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬البديلة‭ ‬زائدةً‭ ‬عن‭ ‬الأصيلة‭. ‬ويدعم‭ ‬هذا،‭ ‬أيضاً،‭ ‬أنْ‭ ‬أحصينا‭ ‬مجيء‭)‬مفاعلن‭ ( ‬بنسبة‭ ‬75‭% ‬مقابل‭ ‬25‭% ‬لنسبة‭ ‬مجيء‭ ‬(مستفعلن‭‬، ‭( ‬ولاحظنا‭ ‬ميل‭ ‬الشعراء‭ - ‬سجيّة‭ ‬–‭ ‬إلى‭ ‬تفضيل ‭ )‬مفاعلن)‭ ‬،‭ ‬وأحياناً‭ ‬عدم‭ ‬استخدام‭ ‬مستفعلن‭) ‬إطلاقاً‭.‬

‭(‬4‭)‬كان‭ ‬يمكنه‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بكتابة‭ ‬ملاحظة‭ ‬أسفل‭ ‬وزن‭ ‬الخفيف،‭ ‬تقول‭: ‬ (لا‭ ‬يجوز‭ ‬حذف‭ ‬فاء‭ ‬مستفعلن‭.(

‭(‬5‭)‬الوتد‭ ‬المجموع‭: ‬حرفان‭ ‬متحركان‭ ‬بعدهما‭ ‬ساكن،‭ ‬ويرمز‭ ‬له‭ (//‬5‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬يقابل‭ ‬المقطع‭ ‬الطويل‭ ‬في‭ ‬الإيقاع‭ ‬الصوتيّ،‭ ‬وسمّي‭ ‬مجموعاً‭ ‬لاجتماع‭ ‬المتحرّكين‭. ‬والوتد‭ ‬المفروق‭: ‬حرفان‭ ‬متحركان‭ ‬بينهما‭ ‬ساكن،‭ ‬ويرمز‭ ‬له‭ (/‬5‭/)‬،‭ ‬وسُمّي‭ ‬مفروقاً‭ ‬لأنّ‭ ‬الساكن‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬المتحركين‭. ‬


4-إنَّ‭ ‬الشعراء‭ ‬ـ‭ ‬سجيَّةً‭ ‬ـ‭ ‬يستعملون‭ )‬مفاعلن) ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الخفيف،‭ ‬ويتجنّبون‭ )‬مستفعلن‭ ‬،‭( ‬قديماً‭ ‬وحديثاً،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬الشاعر‭ ‬المصريّ‭ ‬حسن‭ ‬عامر‭ ‬نشر‭ ‬قصيدةً‭ ‬من‭ ‬الخفيف‭ ‬لم‭ ‬تردْ‭) ‬مستفعلن)‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬أبياتها‭ ‬السبعة‭ ‬عشر‭:‬


أَنتِ‭ ‬مثلَ‭ ‬الرمـالِ‭ ‬جسمُـكِ‭ ‬سَـالَا‭

‬يـا‭ ‬قطيعـاً‭ ‬من‭ ‬الظـبــاءِ‭ ‬الكَسـَــالـى

أَنتِ‭ ‬لمَّـا‭ ‬لمستِ‭ ‬صخـرةَ‭ ‬روحي‭ ‬‭ ‬

مـالَ‭ ‬غُصنٌ‭ ‬وقـالَ‭ ‬للنَّهرِ‭ ‬ما‭ ‬لا‭..‬

في‭ ‬شـذاكِ‭ ‬البعـيدِ‭ ‬أَسْـرفتِ‭ ‬حتـَّى‭

‬أَجَّـلَ‭ ‬العطــرُ‭ ‬نفـسـَــهُ،‭ ‬واستـقـالا

لستُ‭ ‬أُلقي‭ ‬عليكِ‭ ‬بعضَ‭ ‬نشيدي‭

‬بـلْ‭ ‬أُربـِّي‭ ‬علـى‭ ‬يـديــكِ‭ ‬الخـيــالا

بـلْ‭ ‬أَجُسُّ‭ ‬المـيـاهَ‭ ‬في‭ ‬بـئـرِ‭ ‬روحي‭

‬أَو‭ ‬أُعـيــدُ‭ ‬الزَّمــانَ‭ ‬فـيـكِ‭ ‬ارتحــالا

نـحــوَ‭ ‬أَصــدائـــهِ‭ ‬الـبـعـيــدةِ‭ ‬جـدَّاً‭

‬‭ ‬‭ ‬يـومَ‭ ‬كانَ‭ ‬الكــلامُ‭ ‬بـعـدُ‭ ‬احتـمـالا

قـبـلَ‭ ‬أَنْ‭ ‬تـفــزعَ‭ ‬الـطـيــورُ‭ ‬قـديمــاً‭

‬‭ ‬أَو‭ ‬يَـفِـــرَّ‭ ‬الـغــَــــزالُ‭ ‬إلّا‭ ‬دلالا

كنتِ‭ ‬قـبـلَ‭ ‬النَّدى‭ ‬بأَلفِ‭ ‬صبــاحٍ‭

‬‭ ‬تغْـزلـيــنَ‭ ‬السَّـمــاءَ‭ ‬للبـحــرِ‭ ‬شــالا

كانَ‭ ‬في‭ ‬سالفِ‭ ‬النَّهــاراتِ‭ ‬يُروى‭ ‬‭

‬أَنَّ‭ ‬عينـيـكِ‭ ‬تـشـرحــانِ‭ ‬الـظِّـــلالا

وأَنــا‭ ‬عــاشـــقٌ‭ ‬أُقــــدِّمُ‭ ‬عـمـــــــري‭

‬من‭ ‬قديـمِ‭ ‬الهـوى‭ ‬أَشُـدُّ‭ ‬الـرِّحـــالا

كـانَ‭ ‬قـلـبـي‭ ‬سـحــابـــةً‭ ‬ونـشـيــداً‭ ‬‭ ‬‭

‬‭ ‬لـرُعــــاةٍ‭ ‬يُـحــدِّثـــــونَ‭ ‬الـجــبــــالا

كنتُ‭ ‬أَرعى‭ ‬الزَّمانَ‭ ‬أَقصى‭ ‬خيالي‭

‬والـلـيــالي‭ ‬ارْتَجَلْتـُـهـُـنَّ‭ ‬ارتـجـــالا

حـدِّثـيـنــي‭ ‬إِذنْ‭ ‬لأَرجــعَ‭ ‬طــفــــلاً‭

‬بـيـنَ‭ ‬عـيـنـيـــهِ‭ ‬ضحـكـــةٌ‭ ‬تَـتَـــلَالَا

حـدِّثـيـنــي‭ ‬عـنِ‭ ‬الـقُـرى‭ ‬لو‭ ‬قليــلاً‭

‬بـي‭ ‬حـنـيــنٌ‭ ‬طـويـتـُـــهُ‭ ‬فاستـطــالا

واحْضُـنـيــنـي‭ ‬إذا‭ ‬بكيـتُ‭ ‬وغـنـِّــي‭

‬وامسَحي‭ ‬منْ‭ ‬على‭ ‬الشِّفاهِ‭ ‬السُّؤالا

حـدِّثـيـنــي‭ ‬ولا‭ ‬تَـمَـلِّــي‭ ‬شُـــرودي‭

‬إنِّـنـي‭ ‬في‭ ‬الشُّـرودِ‭ ‬أَحسـنُ‭ ‬حــالا

واجرحيـنــي‭ ‬كمـا‭ ‬تشـائـيــنَ‭ ‬إنِّــي‭

‬بـعـدَ‭ ‬عينـيــكِ‭ ‬لا‭ ‬أَلــومُ‭ ‬الـنِّـصــالا


وحين‭ ‬سألتُه‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬أجابني‭ ‬بأنَّها‭ ‬جاءت‭ ‬هكذا‭ ‬على‭ ‬السَّجية‭.‬

5-ما‭ ‬قاله‭ ‬الأخفش‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬العروض‭: ‬وما‭ ‬أَرى‭ ‬أصل‭ )‬مستفعلن)‭ ‬فيه‭ ‬ـ‭ ‬يقصد‭ ‬في‭ ‬الخفيف‭ ‬ـ‭ ‬إلّا‭ (‬مفاعلن‭) ‬والسين‭ ‬زيادة‭... ‬وجازت‭ ‬الزيادة‭ ‬كما‭ ‬جاز‭ ‬النقصان،‭ ‬ويدلُّك‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أَنْ‭ ‬تمامها‭ ‬يقبُح‭.‬

6-يقتضي‭ ‬منهج‭ ‬الخليل‭ ‬النظريّ‭ ‬القول‭ ‬بحذف‭ ‬نون‭ )‬مستفعلن) ‬فتصير‭‬ (مُسْتَفْعِلُ‭‬،‭( ‬وهو‭ ‬غير‭ ‬وارد‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬إلّا‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬واحدٍ‭ ‬لعُبيد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬قيس‭ ‬الرقيّات‭.‬

يقول‭ ‬الأخفش‭: ‬لم‭ ‬نجد‭ ‬ذهاب‭ ‬نون‭ )‬مستفعلن‭ ( ‬إلّا‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬لابن‭ ‬الرقيات،‭ ‬وزعموا‭ ‬أَنّه‭ ‬قد‭ ‬كان‭ ‬سبق‭ ‬اللحن،‭ ‬فمن‭ ‬جعله‭ ‬إماماً‭ ‬جوّز‭ ‬حذف‭ ‬نونها،‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يجعله‭ ‬إماماً‭ ‬لم‭ ‬يجوِّزْ‭ ‬حذف‭ ‬ذلك‭. ‬والبيت‭ ‬في‭ ‬مدح‭ ‬مصعب‭ ‬بن‭ ‬الزبير،‭ ‬وهو‭:‬

يتَّقي‭ ‬اللهَ‭ ‬في‭ ‬الأُمـورِ‭ ‬وقدْ‭ ‬أَفْــ‭ ‬ـلَحَ‭ ‬مَـنْ‭ ‬كـانَ‭ ‬هَمـَّـهُ‭ ‬الاتـِّـقـاءُ

فاعلاتن‭ ‬مـفـاعـلــن‭ ‬فـعـلاتن‭ ‬فـعـلاتـن‭ (‬مفاعلُ‭) ‬فاعلاتن

قال‭ ‬الأَخفش‭: ‬(لامُ‭ ‬الِاتقاء)‭ ‬مكسورٌ،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬همُّهُ‭ ‬واوٌ‭ ‬بعد‭ ‬الهاء‭. ‬يقصد‭: ‬ضمّة‭ ‬هاء‭ ‬الضمير‭ ‬لا‭ ‬تُشبَع‭ ‬بالمدِّ‭ ‬فيتولّد‭ ‬منها‭ ‬واو‭. ‬ووزنها‭ ‬مفاعلُ‭ ‬بحذف‭ ‬النون‭.‬وقوله‭: ‬لامُ‭ ‬الِاتقاء‭ ‬مكسورٌ،‭ ‬يقصد‭ ‬حرف‭ ‬اللام‭ ‬من‭ ‬ألْ‭) ‬التعريف‭ ‬الداخلة‭ ‬على‭ ‬كلمة‭ (‬اتّقاء‭) ‬المبدوءة‭ ‬بهمزة‭ ‬وصل‭ ‬ساكنة،‭ ‬ينكسر‭ ‬لالتقاء‭ ‬الساكنين،‭ ‬فتلفظ‭ ‬هكذا‭: ‬لِتِّقاءُ. ‬وقد‭ ‬رفض‭ ‬الأخفش‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬النون‭ ‬هنا‭ ‬محذوفة،‭ ‬فقال‭: ‬وقد‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬زحاف‭ ‬على‭ ‬وجهين‭: ‬

‭-‬قطع‭ ‬همرة‭ ‬الوصل،‭ ‬وهو‭ ‬ضعيف‭.‬

‭-‬أَنْ‭ ‬تثبت‭ ‬الواو؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الحرف‭ ‬الذي‭ ‬بعدها‭ ‬تحرَّك‭ ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬تسقط‭ ‬لسكونه‭. ‬بمعنى‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬قراءتين‭ ‬للبيت،‭ ‬الأولى‭: ‬همَّهُ‭ ‬الْإتّقاءُ‭ ‬بقطع‭ ‬همزة‭ ‬الوصل‭ ‬في‭ ‬اتّقاء ‬وبقاء‭ ‬لام‭ ‬التعريف‭ ‬ساكنة‭. ‬والثانية‭: ‬همَّهو‭ ‬لِتِّقاءُ‭ ‬بواو‭ ‬بعد‭ ‬هاء‭ ‬الضمير‭ ‬وتحرُّك‭ ‬الحرف‭ ‬الذي‭ ‬بعدها

‭‬ لام‭ ‬التعريف‭ ‬بالكسر‭. ‬وبهذا‭ ‬التقرير‭ ‬تنتقي‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بوجود‭ ‬تفعيلة‭ ‬مفروقة‭ ‬الوتد(١)‭ ‬‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬فكرة‭ ‬محبّذة‭ ‬ولا‭ ‬منطقيّة‭ ‬ـ‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭ ‬بعدم‭ ‬جواز‭ ‬حذف‭ ‬الرابع‭ ‬أو‭ ‬السابع‭ ‬الساكن‭ ‬من‭ ‬التفعيلة‭ ‬الوسطى‭. ‬وإنْ‭ ‬كان‭ ‬ثمَّة‭ ‬وجود‭ ‬لها،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬واقعيّاً،‭ ‬بل‭ ‬عَلاميّاً‭! ‬فحيث‭ ‬وُجدت‭ ‬كانت‭ ‬بمثابةِ‭ ‬إشارةٍ‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬حالةٍ‭ ‬خاصَّة‭ ‬في‭ ‬النَّسق‭ ‬الإيقاعيِّ‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬مفاعلن‭ ‬أصلاً‭ ‬ومستفعلن ‬بديلةً‭ ‬وحيدة‭ ‬لها‭. ‬ويمكن‭ ‬تلمُّس‭ ‬بعض‭ ‬التأويلات‭ ‬لفكرة‭ ‬التفعيلة‭ ‬المفروقة‭ ‬الوتد،‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬من‭ ‬امتناع‭ ‬دخولٍ‭ ‬زِحافٍ‭ ‬ما،‭ ‬كامتناع‭ ‬حذف‭ ‬فاء‭ ‬مستفعلن‭ ‬مثلاً،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬ذكره‭ ‬د‭. ‬عبدالحميد‭ ‬السيد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الطريق‭ ‬المعبّد‭ ‬في‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬التفاعيل‭ ‬المتشابهة،‭ ‬يقصد‭ ‬مستفعلن‭و مُسْتَفْعْ‭ ‬لُنْ‭ (‬2‭) ‬من‭ ‬جهة‭ ‬اللفظ‭ ‬بأَنْ‭ ‬يُوقَف‭ ‬ـ‭ ‬صناعةً‭ ‬ـ‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬الوتد‭ ‬المفروق؛‭ ‬ليعلم‭ ‬السَّامع‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬ذو‭ ‬وتد‭ ‬مفروق‭. ‬وهذا‭ ‬القول‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬فكرةِ‭ ‬أنَّ‭ ‬مستفعلن‭ ‬مفروقة‭ ‬الوتد‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬تكافئُ‭ ‬مُسْتافْ‭ ‬عِلْ‭ ‬بتسكين‭ ‬الفاء،‭ ‬وهذه‭ ‬التفعيلة‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬مستغربة‭ ‬هنا،‭ ‬ولكنَّها‭ ‬مألوفة‭ ‬جدّاً‭ ‬في‭ ‬الشِّعر‭ ‬الشعبيِّ،‭ ‬فقد‭ ‬أَشار‭ ‬الأستاذ‭ ‬ربيع‭ ‬الشِّمَّريّ‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬العروض‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬العراقي‭ ‬إلى‭ ‬أنّها‭ ‬تأتي‭ ‬بديلة‭ ‬لـ‭‬مستفعلن‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الرجز،‭ ‬وتكتب‭ ‬مفصولة‭ ‬الفاء‭ ‬عن‭ ‬العين‭ ‬لإيضاح‭ ‬التقاء‭ ‬السَّاكنين‭. ‬ومثالها‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبيّ‭ ‬العراقيّ،‭ ‬قول‭ ‬الشاعر‭ ‬جودة‭ ‬التميميّ‭:‬

گلْبيْ‭ ‬ابْدَرُبْ‭ ‬حُبَّكْ‭ ‬تَعَبْ‭ ‬مَلِّ‭ ‬اوْ‭ ‬فَحَطْ‭ ‬

گِتْلَكْ‭ ‬حَياتيْ‭ ‬احْــرُوفْ‭ ‬وُوْصَالَكْ‭ ‬نُقَطْ

مستفعلـن‭ ‬مستفعلــن‭ ‬مستفعلــن‭ ‬

مستفعلن‭ (‬مستافْ‭ ‬عِلْ‭) ‬مستفعـلــن

وقول‭ ‬الشاعر‭ ‬هادي‭ ‬العكاشيّ‭:‬

شِيْصِيْـرْ‭ ‬لوْ‭ ‬تِطْلَعْ‭ ‬شَمِسْ‭ ‬فَرْحَه‭ ‬اوْ‭ ‬عِرِسْ‭ ‬

شِيْصِيْـرْ‭ ‬لوْ‭ ‬رَدِّيـْـتْ‭ ‬يـا‭ ‬طَـيــفِ‭ ‬الأَمِــــسْ

‭(‬مستافْ‭ ‬عِلْ‭) ‬مستفعلن‭ ‬مـسـتـفـعـلــن‭ ‬

‭(‬مستافْ‭ ‬عِلْ‭) (‬مستافْ‭ ‬عِلْ‭) ‬مستفعلن

‭(‬1‭)‬هناك‭ ‬تفعيلة‭ ‬أخرى‭ ‬مفروقة‭ ‬الوتد‭ ‬يذكرها‭ ‬العروضيّون‭ ‬وهي‭:‬فاعِ‭ ‬لاتن‭ ‬وتقع‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬هو‭ ‬بحر‭ ‬المضارع‭. ‬ولا‭ ‬وجود‭ ‬لهذه‭ ‬التفعيلة،‭ ‬أيضاً؛‭ ‬فللمضارع‭ ‬تفعيلات‭ ‬أخرى‭. ‬

‭(‬2‭)‬وكذلك‭:‬فاعلاتن‭ ‬و فاعْ‭ ‬لاتن‭ ‬بسكون‭ ‬العين‭.‬

وإلى‭ ‬مثل‭ ‬ذلك،‭ ‬أَلمح‭ ‬الشيخ‭ ‬جلال‭ ‬الحنفيّ‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬العروض‭ ‬عند‭ ‬تعداده‭ ‬للتفاعيل‭ ‬العروضيّة،‭ ‬إذ‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ ‬هامش‭ ‬تفعيلة‭ ‬فاعلاتن‭ : ‬هناك‭ ‬تفعيلة‭ ‬يكتبها‭ ‬العرضيّون‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬فاعِ‭ ‬لاتن‭ ‬يخُصُّون‭ ‬بها‭ ‬بحر‭ ‬المضارع،‭ ‬وقد‭ ‬أَلغينا‭ ‬ذلك،‭ ‬ولكنّ‭ ‬فاعلاتن‭ ‬إذا‭ ‬سكنتْ‭ ‬في‭ ‬الدَّرْج‭ ‬صحَّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إيضاحها‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬فاعْ‭ ‬لاتن‭‬،‭ ‬كقراءتنا‭ ‬النصَّ‭ ‬الشعريّ‭ ‬مثلاً‭:‬


سَـأَلَـتْ‭ ‬لَمْيـَـاءْ‭ ‬مـاذا‭ ‬فَتَنَتْ‭ ‬أَيُّ‭ ‬قلْبٍ‭ ‬لَمْ‭ ‬يكُنْ‭ ‬مَفْتُونَها

فعلاتن‭ (‬فاعْ‭ ‬لاتن‭) ‬فعلـن‭ ‬فاعـلاتن‭ ‬فاعـلاتـن‭ ‬فاعلـن


ولا‭ ‬يستوجب‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬تفعيلة‭ ‬بهذه‭ ‬الهيئة؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬الإسكان‭ ‬هنا‭ ‬إسكان‭ ‬إنشاد‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬السكون‭ ‬نفسه‭ ‬حركة‭ ‬إيقاعية‭ ‬خفيّة‭ ‬مقدّرة‭. ‬وأَوضح‭ ‬الحنفيّ‭ ‬أنَّ‭ ‬سكون‭ ‬الإنشاد‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬أَدَّتْ‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬الشعر‭ ‬البدويّ؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬قريض‭ ‬الحضَر‭ ‬إذا‭ ‬بلغ‭ ‬البدوَ‭ ‬تولَّوهُ‭ ‬على‭ ‬جاري‭ ‬عادتهم‭ ‬بإسكان‭ ‬الإنشاد‭ ‬الذي‭ ‬يُكثرون‭ ‬منه‭. ‬

كقراءتهم‭ ‬بيتَ‭ ‬امرئ‭ ‬القيس‭:‬

قفا‭ ‬نبْك‭ ‬من‭ ‬ذكـرى‭ ‬حبيبْ‭ ‬ومنزلْ

بسقط‭ ‬اللوى‭ ‬بين‭ ‬الدخولْ‭ ‬فحوملْ


ولا‭ ‬ندري،‭ ‬لعلَّ‭ ‬الشعر‭ ‬العربيّ‭ ‬المنظوم‭ ‬على‭ ‬الخفيف‭ ‬كان‭ ‬يُنشَد‭ ‬بإسكان‭ ‬فاء‭ ‬وعين‭ ‬مُسْتَفْعْ‭ ‬لُنْ‬،‭ ‬ولعلَّ‭ ‬الأرجح‭ ‬أنّها‭ ‬مُسْتافْ‭ ‬عِلْ‭ ‬فيستند‭ ‬فيها‭ ‬سكون‭ ‬الإنشاد‭ ‬على‭ ‬حرف‭ ‬مدّ‭ ‬أو‭ ‬لين،‭ ‬والأكثر‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ألفاً‭(‬1‭). ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الأخفش‭ ‬يُجيز‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬السَّاكنين‭ ‬في‭ ‬الشِّعر‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬حالات‭:‬

‭-‬الوقف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القوافي،‭ ‬ويُفضَّل‭ ‬أنْ‭ ‬يكون‭ ‬الأول‭ ‬حرف‭ ‬لين،‭ ‬مثل‭: ‬قالْ،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬كذلك،‭ ‬مثل‭: ‬عَمْرْو‭.‬

‭-‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الأول‭ ‬مَدِّيّاً‭ ‬والثاني‭ ‬مشدَّداً‭. ‬

يقول‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬العروض‭: ‬قد‭ ‬يُجمع‭ ‬بين‭ ‬السَّاكنين‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬الوقف‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬حروف‭ ‬المد‭ ‬واللين‭ ‬وكان‭ ‬الثاني‭ ‬مدغماً‭ ‬نحو‭ ‬ألف‭ ‬شابـَّـة‭) ‬وياء‭ (‬أُصيمُّ‭) ‬تصغير‭ (‬أَصمّ‭.

‭-‬في‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬نحو‭: ‬عاجْ،‭ ‬في‭ ‬زجر‭ ‬الناقة؛‭ ‬وعادْ،‭ ‬في‭ ‬دعائها‭. ‬ونحو‭: ‬هايْ‭ ‬زيد،‭ ‬وآيْ‭ ‬زيد‭. ‬وفسَّر‭ ‬الأخفش‭ ‬احتمالهم‭ ‬لالتقاء‭ ‬الساكنين؛‭ ‬بأنَّ‭ ‬المَدَّة‭ ‬كأنّها‭ ‬عوضٌ‭ ‬عن‭ ‬الحركة،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬القوافي‭ ‬المقصورة؛‭ ‬إذ‭ ‬يُستدرك‭ ‬بالمدِّ‭ ‬ما‭ ‬نقص‭ ‬منها‭. ‬وعلى‭ ‬هذا،‭ ‬يمكن‭ ‬أنْ‭ ‬نتصوَّر‭ ‬مستفعلن مفروقة‭ ‬الوتد‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الخفيف‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬مُسْتَافْ‭ ‬عِلْ ‬بألف‭ ‬ممدودة‭ ‬بعدها‭ ‬فاء‭ ‬ساكنة‭ ‬مفصولة‭ ‬عن‭ ‬العين‭ ‬المكسورة‭. ‬ومن‭ ‬خصائص‭ ‬هذه‭ ‬التفعيلة‭ ‬الغريبة‭:‬

1-ألف‭ ‬التفعيلة‭ ‬هي‭ ‬ألف‭ ‬ساكنة‭ ‬غالباً‭. ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كذلك،‭ ‬فيُفضَّل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حرف‭ ‬مدّ‭ ‬أو‭ ‬لين‭. ‬ويستثقل‭ ‬كونها‭ ‬حرفاً‭ ‬صحيحاً؛‭ ‬فينبو‭ ‬الإيقاع‭.‬

2-فاء‭ ‬التفعيلة‭ ‬ساكنة‭ ‬سكون‭ ‬إنشاد؛‭ ‬إذ‭ ‬يوقَف‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬التفعيلة؛‭ ‬للحدِّ‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬الإيقاع‭ ‬وتدفُّقه،‭ ‬ولغرض‭ ‬إضفاء‭ ‬بعض‭ ‬الفخامة‭ ‬والفحولة‭ ‬عليه‭. ‬

‭ ‬ولا‭ ‬شكَّ‭ ‬أنّ‭ ‬الإتيان‭ ‬بهذه‭ ‬التفعيلة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬مستصعب؛‭ ‬ولذلك‭ ‬عُدل‭ ‬عنها‭ ‬إلى‭ (‬مفاعلن‭) ‬حيث‭ ‬الحركات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬السَّواكن،‭ ‬ممّا‭ ‬يُؤدّي‭ ‬ذات‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬الفخامة‭ ‬والفحولة،‭ ‬إذ‭ ‬أنَّ‭ ‬الليونة‭ ‬والتأنُّث‭ ‬تتأتَّيان‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬السَّواكن‭( ‬2‭). ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬بعض‭ ‬الأصداء‭ ‬لهذه‭ ‬التفعيلة‭ ‬في‭ ‬بضعة‭ ‬أبيات‭ ‬من‭ ‬مُعلَّقتي‭ ‬الحارث‭ ‬والأعشى‭ ‬الكبير،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬وفق‭ ‬قراءتنا‭ ‬لها‭ ‬بإسكان‭ ‬الإنشاد‭ ‬الذي‭ ‬ذكرناه‭:‬


فَـتَـنَــوَّرتُ‭ ‬نــارَهــا‭ ‬مِن‭ ‬بَعـيـدٍ‭

‬بِخَزازى‭ ‬هَيهاتْ‭ ‬مِنكَ‭ ‬الصِّـلاءُ

‭ ‬مستافْ‭ ‬عِلْ

إِن‭ ‬نَبَشتُم‭ ‬ما‭ ‬بَينْ‭ ‬مِلحَةَ‭ ‬فَالصَّا‭

‬قِبِ‭ ‬فيـهِ‭ ‬الأَمــواتْ‭ ‬وَالأَحـيـــاءُ


‭ ‬مستافْ‭ ‬عِلْ

‬مستافْ‭ ‬عِلْ

هَل‭ ‬عَلِمتُم‭ ‬أَيــَّــامْ‭ ‬يـُـنتَهَبُ‭ ‬النـَّـا‭

‬سُ‭ ‬غِــواراً‭ ‬لِكُــلِّ‭ ‬حَـيٍّ‭ ‬عُـــواءُ

‭ ‬مستافْ‭ ‬عِلْ

باكَرَتها‭ ‬الأَغرابْ‭ ‬في‭ ‬سِنَةِ‭ ‬النـَّـو‭

‬مِ‭ ‬فَتَجري‭ ‬خِلالَ‭ ‬شَوكِ‭ ‬السَيالِ

‭ ‬مستافْ‭ ‬عِلْ

وصِلاتُ‭ ‬الأَرحامْ‭ ‬قَد‭ ‬عَلِمَ‭ ‬النـَّـا‭

‬سُ‭ ‬وَفَكُّ‭ ‬الأَسرى‭ ‬مِنَ‭ ‬الأَغلالِ

‭ ‬مستافْ‭ ‬عِلْ


ويمكن‭ ‬الزعم‭ ‬بأنَّ‭ ‬كلمة‭ ‬الأسرى‭ ‬تُنشد‭ ‬بإطالة‭ ‬مدِّ‭ ‬الألف‭ ‬المقصورة‭ ‬لأنّه‭ ‬يبدو‭ ‬أليق‭ ‬بالإيقاع‭. ‬ونعتقد‭ ‬أنَّ‭ ‬رواسب‭ ‬التعويض‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬التفعيلة‭ ‬المستصعبة‭ ‬يمكن‭ ‬أنْ‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬الردف‭ ‬المدّ‭ ‬واللين‭ ‬الذي‭ ‬يشيع‭ ‬في‭ ‬قوافي‭ ‬الخفيف،‭ ‬وفي‭ ‬التشعيث‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يدخله‭ ‬سواه‭ ‬من‭ ‬البحور‭(‬3‭)‬،‭ ‬وكلاهما‭ ‬مترابطان،‭ ‬ومن‭ ‬النادر‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬القديم‭ ‬قصيدة‭ ‬من‭ ‬الخفيف‭ ‬غير‭ ‬مردوفة‭.‬

ويمكن‭ ‬أَن‭ ‬يُستأنس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام،‭ ‬بكلام‭ ‬أستاذ‭ ‬الموسيقى‭ ‬الشرقية‭ ‬ميخائيل‭ ‬خليل‭ ‬الله‭ ‬ويردي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬بدائع‭ ‬العروض ‬عن‭ ‬إحلال‭ ‬مفاعلن‭ ‬بديلةً‭ ‬لـمستفعلن‭ (‬4‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬يُقال‭ ‬بأنَّ‭ ‬المُدَّة‭ ‬التي‭ ‬تلفظ‭ ‬بها‭ ‬مستفعلن‭ ‬المؤلَّفة‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬أحرف‭ ‬أَطول‭ ‬من‭ ‬المُدَّة‭ ‬التي‭ ‬تلفظ‭ ‬بها‭ (‬مفاعلن‭ ‬ذات‭ ‬الستّة‭ ‬أحرف،‭ ‬فكيف‭ ‬يظلُّ‭ ‬الإيقاع‭ ‬مضبوطاً‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حذف‭ ‬الساكن،‭ ‬وما‭ ‬الإيقاع‭ ‬سوى‭ ‬مدّة‭ ‬زمنية؟

‭(‬1‭)‬يصحُّ‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬تلاقي‭ ‬الساكنين‭ ‬عند‭ ‬الوقف،‭ ‬وعند‭ ‬قصد‭ ‬النطق‭ ‬ببعض‭ ‬ألفاظ‭ ‬التهجّي،‭ ‬مثل‭: ‬لامْ،‭ ‬ميمْ‭. ‬

وفي‭ ‬غير‭ ‬هذين‭ ‬لا‭ ‬يصحُّ‭ ‬تلاقي‭ ‬الساكنين‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تحقّقت‭ ‬ثلاثة‭ ‬شروط‭:‬

الأول‭: ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الساكن‭ ‬الأول‭ ‬حرف‭ ‬لين‭. ‬

الثاني‭: ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بعده‭ ‬حرف‭ ‬صحيح‭ ‬ساكن‭ ‬مدغم‭ ‬في‭ ‬مثله‭. ‬

الثالث‭: ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التلاقي‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭. ‬والصبَّان‭ ‬لا‭ ‬يشترط‭ ‬ذلك‭. ‬

مثل‭: ‬شابَّة،‭ ‬عامَّـة،‭ ‬ضالُّون،‭ ‬صادُّون‭. ‬وللمجمع‭ ‬اللغوي‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬قرارٌ،‭ ‬نصُّه‭: ‬لا‭ ‬حرج‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يدفع‭ ‬اللبس‭ ‬بمدٍّ‭ ‬عند‭ ‬التقاء‭ ‬الساكنين‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬قولهم‭: ‬اجتمع‭ ‬مندوبو‭ ‬العراق‭ ‬بمندوبي‭ ‬الأردن‭. ‬انظر‭: ‬النحو‭ ‬الوافي‭ ‬لعباس‭ ‬حسن‭.‬

‭(‬2‭)‬لعلّ‭ ‬الفارق‭ ‬الأساسيّ‭ ‬بين‭ ‬الفصحى‭ ‬والكلام‭ ‬العاميّ‭ ‬هو‭ ‬ميل‭ ‬العامّة‭ ‬إلى‭ ‬الإسكان‭ ‬في‭ ‬درج‭ ‬الكلام؛‭ ‬ولذك‭ ‬فالكلام‭ ‬المحكيّ‭ ‬أكثر‭ ‬ليونة‭ ‬وتكسّراً‭ ‬من‭ ‬التكلُّم‭ ‬بالفصحى،‭ ‬وكذلك‭ ‬شعرهم‭ ‬الشعبيّ؛‭ ‬فالعامة‭ ‬يقفون‭ ‬بالسكون‭ ‬على‭ ‬أواخر‭ ‬الكلمات‭ ‬الإعرابية،‭ ‬فينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬تقطّعات‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬وتكسُّرات‭ ‬في‭ ‬الإيقاع‭.‬

‭(‬3‭)‬يدخل،‭ ‬أيضاً،‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬المجتثّ‭. ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬من‭ ‬مُقصَّرات‭ ‬الخفيف،‭ ‬ثمَّ‭ ‬أُفرد‭ ‬بنفسه‭.‬

‭(‬4‭)‬الأمر‭ ‬معكوس‭ ‬في‭ ‬الصيغة‭ ‬المقترحة‭.‬



ويجيب‭ ‬بأنّ‭ ‬المدة‭ ‬الزمنية‭ ‬في‭ ‬الجوازات‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالحروف‭ ‬الساكنة‭ ‬يجب‭ ‬أَن‭ ‬تبقى‭ ‬محفوظة،‭ ‬سواء‭ ‬بإشباع‭ ‬المتحرِّك،‭ ‬أو‭ ‬بمَدِّ‭ ‬حرف‭ ‬العلّة‭ ‬المجاور،‭ ‬أو‭ ‬بالسُّكوت‭ ‬مُدَّةً‭ ‬تُساوي‭ ‬السَّاكن‭ ‬المحذوف‭. ‬ثمَّ‭ ‬يضرب‭ ‬مثالين‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬أَحدهما‭ ‬من‭ ‬الخفيف‭ ‬لإبراهيم‭ ‬حسني‭ ‬ميرزا‭: ‬


ما‭ ‬شَربْتُ‭ ‬المُدامَ‭ ‬إلّا‭ ‬لأَنسى‭ ‬يــا‭ ‬أَحـبـَّــايَ‭ ‬هــذهِ‭ ‬الآلامـــا‭ ‬


ويعلِّق‭: ‬في‭ ‬الصدر‭ ‬تلفظ‭ ‬المُدام‭ ‬هكذا‭) ‬المُداام‭( ‬ لأَنَّ‭ ‬مستفعلن ‭ ‬2122 ‬تساوي‭‬ مفااعلن ‭ ‬2131 ‬من‭ ‬الوجهة‭ ‬الزمنية،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬يبتدئ‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الموازين‭ ‬الشعرية‭ ‬والموسيقية،‭ ‬أمّا‭ ‬في‭ ‬عجز‭ ‬البيت‭ ‬فنقول‭: ‬يا‭ ‬ها‭ ‬ذِهِلْ‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬أنَّ‭ ‬مستفعلن‭ ‬تُساوي‭ ‬مافاعلن‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معلوم‭.‬


وتوضيح‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬استقامة‭ ‬الوزن‭ ‬تقتضي‭ ‬أَن‭ ‬يكون‭ ‬أَصل‭ ‬إنشاد‭ ‬البيت‭ ‬هكذا‭:‬


ما‭ ‬شَربْتُ‭ ‬المُودامْ‭ ‬إلّا‭ ‬لأَنسى‭ ‬يــا‭ ‬أَحـبـَّــايْ‭ ‬هــذهِ‭ ‬الآلامـــا

فاعلاتن‭ ‬مستافْ‭ ‬عِلْ‭ ‬فاعلاتنْ‭ ‬‭ ‬فاعلاتانْ‭ ‬فاعلن‭ ‬فالاتن


وإسكان‭ ‬الإنشاد‭ ‬غير‭ ‬ثابت؛‭ ‬ففي‭ ‬الشَّطر‭ ‬الثاني‭ ‬نُقل‭ ‬من‭ ‬التفعيلة‭ ‬الوسطى‭ ‬لما‭ ‬قبلها،‭ ‬وكلّ‭ ‬ذلك‭ ‬لغرض‭ ‬التعويض‭. ‬أَمّا‭ ‬تفعيلة‭ ‬الشَّطر‭ ‬الأول‭ ‬الوسطى‭ ‬فيمكن‭ ‬أنْ‭ ‬تُعوّض‭ ‬إنشادياً‭ ‬على‭ ‬نحوين‭ ‬آخرين،‭ ‬أيضاً‭:‬


الأول‭: ‬ما‭ ‬شَربْتُ‭ ‬المُداامَ‭ ‬إلّا‭ ‬لأَنسى‭. ‬فمدُّ‭ ‬ألف‭ ‬المُدام‭ ‬يوفِّر‭ ‬مدّة‭ ‬زمنية‭ ‬تسمح‭ ‬بتحريك‭ ‬الميم‭ ‬ووصلها‭ ‬بما‭ ‬بعدها‭ ‬وتعوّض‭ ‬عن‭ ‬الوقت‭ ‬اللازم‭ ‬للحرف‭ ‬المحذوف‭.‬

الثاني‭: ‬ما‭ ‬شَربْتُ‭ ‬المُدامْ‭ ‬إلّا‭ ‬لأَنسى‭. ‬بإسكان‭ ‬الميم‭ ‬إنشاداً‭ ‬وقبلها‭ ‬ألف‭ ‬مُقتَضبة،‭ ‬ويُوصل‭ ‬الكلام‭ ‬بعد‭ ‬سكتة‭ ‬خفيفة‭ ‬تُعوّض‭ ‬المُدَّة‭ ‬الزمنية‭ ‬اللازمة‭ ‬لنطق‭ ‬الحرف‭ ‬المحذوف‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬يستغرقها‭ ‬المَدّ،‭ ‬سواء‭ ‬مُدّت‭ ‬حركة‭ ‬المقطع‭ ‬القصير‭ ‬(مُ)‭ ‬أَم‭ ‬اقتُضبَت‭(‬1‭).‬

ومثاله‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الرَّمل،‭ ‬وهو‭ ‬لجبران‭ ‬خليل‭ ‬جبران‭:‬


هُوَ‭ ‬ذا‭ ‬الفجْرُ‭ ‬فقُومي‭ ‬ننْصرِفْ‭ ‬عن‭ ‬ديارٍ‭ ‬ما‭ ‬لنا‭ ‬فيها‭ ‬صديـقْ


ويعلِّق‭ ‬عليه،‭ ‬قائلاً‭: ‬في‭ ‬صدر‭ ‬البيت‭ ‬فعِلاتن‭ ‬مرَّتين،‭ ‬فيلفظ‭ ‬هكذا‭: ‬


هُوْ‭ ‬وَذا‭ ‬الفَجْرُو‭ ‬فقُومي‭ ‬ننْصرفْ


أَو‭ ‬بحذف‭ ‬الواو‭ ‬مع‭ ‬السُّكوت‭ ‬مُدَّةً‭ ‬مساوية‭ ‬للحرف‭ ‬المحذوف‭(‬2‭). ‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬ذاته‭ ‬سكون‭ ‬الإنشاد‭ ‬الذي‭ ‬قلناه؛‭ ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬للإنشاد‭ ‬والغناء‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لهما‭ ‬من‭ ‬عظيم‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬رواية‭ ‬الشِّعر‭ ‬العربيّ،‭ ‬فهما‭ ‬داخلان‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬إيقاعه‭ ‬الموسيقيّ‭.‬


‭(‬1‭)‬يمكن‭ ‬إنشاد‭ ‬العجز‭ ‬كما‭ ‬يلي‭: ‬يا‭ ‬أحبَّايَ‭ ‬هذه‭ ‬الآلاما،‭ ‬بمدّ‭ ‬ألف‭ ‬هذه،‭ ‬أو‭ ‬نقل‭ ‬المدّ‭ ‬إلى‭ ‬ألف‭ ‬أحبّايَ‭ ‬للتعويض‭. ‬أو‭: ‬يا‭ ‬أحبَّائي‭ ‬هذه‭ ‬الآلاما،‭ ‬وهنا‭ ‬كأنّك‭ ‬مجبر‭ ‬على‭ ‬الوقف‭ ‬لهنيهة‭ ‬على‭ ‬ياء‭ ‬أحبّائي‭. ‬أو‭: ‬يا‭ ‬أحبّايا‭ ‬هذه‭ ‬الآلاما،‭ ‬بمدّ‭ ‬أحد‭ ‬الألفين‭. ‬أو‭: ‬يا‭ ‬أحبّايْ‭ ‬هذه‭ ‬الآلاما،‭ ‬بإسكان‭ ‬الياء‭ ‬إنشاداً‭. ‬

‭(‬2‭)‬هُوْوَ،‭ ‬ظاهرها‭ ‬التشديد‭ ‬هُوَّ‭ ‬ولكنّها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬بمدّ‭ ‬ضمّة‭ ‬الهاء‭ ‬حدَّ‭ ‬الإشباع،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يتمّ‭ ‬ذلك‭ ‬بالنبر‭ ‬أيضاً،‭ ‬والفجرو‭ ‬بإشباع‭ ‬المدّ‭ ‬في‭ ‬ضمة‭ ‬الراء،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تُمدّ‭ ‬فبالوقف‭ ‬على‭ ‬الراء‭ ‬الفجْرْ ‬والسكوت‭ ‬مدّة‭ ‬زمنية‭ ‬تعوّض‭ ‬زمن‭ ‬النطق‭ ‬بالحرف‭ ‬المحذوف،‭ ‬وهنا‭ ‬يُلاحظ‭ ‬أنَّ‭ ‬التفعيلة‭ ‬الأولى‭ ‬ستكون‭ ‬فاعلاتانْ‭ ‬والثانية‭ ‬فعولن‭. ‬وهذا‭ ‬مبدأ‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬الموسيقى،‭ ‬وهو‭ ‬الأساس‭ ‬الإيقاعيّ‭ ‬الذي‭ ‬نتبنّاه‭ ‬للزحافات‭. ‬ولفائدة‭ ‬أكثر،‭ ‬نُذكّر‭ ‬بقول‭ ‬ميخائيل‭ ‬ويردي‭: ‬أما‭ ‬في‭ ‬جواز‭ ‬تسكين‭ ‬المتحرك،‭ ‬فواضح‭ ‬أنّ‭ ‬المدّة‭ ‬الزمنية‭ ‬لم‭ ‬تنقص‭ ‬بنقل‭ ‬متفاعلن‭ ‬مثلاً‭ ‬إلى‭ ‬مستفعلن‭‬؛‭ ‬لأنَّ‭ (‬21211‭ = ‬2122‭) ‬من‭ ‬الوجهة‭ ‬الزمنية‭. ‬أما‭ ‬حذف‭ ‬المتحرّك‭ ‬فلا‭ ‬يصحُّ‭ ‬مطلقاً‭. ‬


Comments


bottom of page