top of page

مباني الشعر بين الوزن والإيقاع الداخلي

تاريخ التحديث: ١ نوفمبر ٢٠٢٣

رسائل‭ ‬في‭ ‬بريد‭ ‬الشعراء


د. أسامة تاج السر
د. أسامة تاج السر

أخي‭ ‬الشاعر‭ ‬الحبيب،‭ ‬تحية‭ ‬محبة،‭ ‬وبعد

‭ ‬فقد‭ ‬تابعت‭ ‬شغفك‭ ‬بالشعر،‭ ‬ووقفت‭ ‬على‭ ‬ذائقتك‭ ‬المرهفة‭ ‬وأنت‭ ‬تطربُ‭ ‬لإحسانه،‭ ‬وتسكرُ‭ ‬من‭ ‬دنانه،‭ ‬وتتبع‭ ‬أحسن‭ ‬بيانه،‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬بنيانه‭. ‬وهأنذا‭ ‬أضع‭ ‬بين‭ ‬يديك‭ ‬رحلة‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬في‭ ‬تبتُّل‭ ‬الشاعر‭ ‬بمحرابه،‭ ‬والعاشق‭ ‬في‭ ‬نار‭ ‬عذابه،‭ ‬أشاركك‭ ‬همّ‭ ‬الشعرِ،‭ ‬وأهبك‭ ‬بعض‭ ‬أسراره‭.‬‭ ‬اعلم‭ ‬أيّها‭ ‬الأخ‭ ‬الكريم،‭ ‬ما‭ ‬الشعر‭ ‬إلا‭ ‬لفظةٌ‭ ‬آنقُ‭ ‬من‭ ‬أختها،‭ ‬ساحرةٌ‭ ‬في‭ ‬روحها‭ ‬وسَمْتها،‭ ‬متى‭ ‬ضمت‭ ‬إلى‭ ‬مثيلاتها‭ ‬صرنَ‭ ‬كالحُور‭ ‬العِين،‭ ‬اللائي‭ ‬برئن‭ ‬مما‭ ‬يشِين‭. ‬ثم‭ ‬اعلم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬احتاجت‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬أماناتِها،‭ ‬وما‭ ‬أماناتُها‭ ‬إلا‭ ‬المعاني‭ ‬الأبكار،‭ ‬التي‭ ‬تسهر‭ ‬عليها‭ ‬الأفكار،‭ ‬ومتى‭ ‬وافق‭ ‬اللفظ‭ ‬معناه،‭ ‬كانا‭ ‬كالعروسين،‭ ‬كلاهما‭ ‬يأنس‭ ‬بصاحبه،‭ ‬ويحبه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بجانبه،‭ ‬فهما‭ ‬بين‭ ‬أنس‭ ‬وسعادة،‭ ‬يخشعان‭ ‬لهما‭ ‬خشوعهما‭ ‬في‭ ‬العبادة‭. ‬

‭ ‬ثمّ‭ ‬إنّ‭ ‬زينة‭ ‬البيت‭ ‬الأبناء،‭ ‬وزينة‭ ‬الشعر‭ ‬البناء،‭ ‬فمتى‭ ‬أحكم‭ ‬الشاعر‭ ‬الموسيقى،‭ ‬وحالف‭ ‬في‭ ‬سعيه‭ ‬التوفيقا،‭ ‬فركب‭ ‬بحرًا‭ ‬من‭ ‬البحور،‭ ‬أدى‭ ‬لذاك‭ ‬البحر‭ ‬حقّه،‭ ‬ومستحقّه،‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬تفعيلاته‭ ‬إلى‭ ‬غيرها،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يُثير‭ ‬غيرتها،‭ ‬وللبحور‭ ‬أسماء‭ ‬تعرف‭ ‬بها،‭ ‬وتفعيلات‭ ‬تتكون‭ ‬منها،‭ ‬وهأنذا‭ ‬أضع‭ ‬بين‭ ‬يديك‭ ‬أسماءها‭ ‬وخواصّها‭: ‬إنَّ‭ ‬أشرف‭ ‬البحور‭ ‬باتفاق‭ ‬أهل‭ ‬الشعر‭ ‬والنقد‭ ‬هو‭ ‬الطويل،‭ ‬وله‭ ‬تفعيلتان‭ ‬تتكرران‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ ‬معلوم،‭ ‬أولاهما‭ ‬خماسيّة،‭ ‬والثانية‭ ‬سباعيّة،‭ ‬تتكرر‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منهما‭ ‬أربع‭ ‬مرات‭ ‬في‭ ‬البيت‭:‬

‭ ‬فعولن‭ ‬مفاعيلن‭ ‬فعولن‭ ‬مفاعلُ

‭ ‬كما‭ ‬فتكت‭ ‬بالغافلينَ‭ ‬القنابلُ

‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬معلقات‭ ‬العرب‭ ‬التي‭ ‬عليها‭ ‬الإجماع‭ ‬سبعًا‭ ‬هي‭ ‬معلقة‭: ‬‮«‬امرئ‭ ‬القيس،‭ ‬وطرفة‭ ‬بن‭ ‬العبد،‭ ‬وزهير‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬سلمى،‭ ‬ولبيد‭ ‬بن‭ ‬ربيعة،‭ ‬وعنترة‭ ‬العبسيّ،‭ ‬وعمرو‭ ‬بن‭ ‬كلثوم،‭ ‬والحارث‭ ‬بن‭ ‬حلِّزة‮»‬،‭ ‬فإنّ‭ ‬ثلاثًا‭ ‬منها‭ ‬قد‭ ‬جاءت‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الطويل،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬بدأنا‭ ‬بها‭ ‬الترتيب‭. ‬والطويل‭ ‬صالح‭ ‬لكلّ‭ ‬جليل‭ ‬نبيل‭ ‬جميل‭.‬

وأخو‭ ‬الطويل‭ ‬البسيط،‭ ‬وله‭ ‬ما‭ ‬لسابقه‭ ‬من‭ ‬تناسق‭ ‬وتقسيم،‭ ‬خلا‭ ‬أن‭ ‬سباعيته‭ ‬سابقة،‭ ‬وخماسيّته‭ ‬لاحقة‭:‬

‭ ‬مستفعلن‭ ‬فاعلن‭ ‬مستفعلن‭ ‬فعلُ

‭ ‬أما‭ ‬رأيتَ‭ ‬الظِبا‭ ‬بالحسن‭ ‬تكتحل؟

ولمّا‭ ‬كان‭ ‬البسيط‭ ‬أخا‭ ‬الطويل‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬شرفٍ،‭ ‬فقد‭ ‬تعجّب‭ ‬النقّاد‭ ‬لخلو‭ ‬المعلقات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البحر،‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬جعلوها‭ ‬تسعًا‭ ‬لا‭ ‬سبعًا،‭ ‬فأضافوا‭ ‬معلقة‭ ‬الأعشى‭ ‬‮«‬ودع‭ ‬هريرة‭ ‬إنّ‭ ‬الركب‭ ‬مرتحلُ‮»‬،‭ ‬ومعلقة‭ ‬النابغة‭ ‬‮«‬يا‭ ‬دار‭ ‬ميّة‭ ‬بالعلياء‭ ‬فالسَّند‮»‬،‭ ‬وحق‭ ‬هاتين‭ ‬القصيدتين‭ ‬أن‭ ‬تكونا‭ ‬مع‭ ‬المعلقات،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لذلك‭ ‬من‭ ‬سبب‭ ‬غير‭ ‬كونهما‭ ‬من‭ ‬البسيط‭ ‬لشفع‭ ‬لهما،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بجمالهما‭ ‬وجلالهما‭!‬

والمديد‭ ‬ثالثهما‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬الدائرة،‭ ‬ولكنه‭ ‬متروك‭ ‬لجساوته،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬العارفون‭ ‬بالشعر،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬بداوة‭ ‬وشجن،‭ ‬يجيده‭ ‬من‭ ‬يحن‭ ‬إلى‭ ‬الأهل‭ ‬والوطن،‭ ‬ورأس‭ ‬قصائده‭ ‬التي‭ ‬قيلت‭ ‬في‭ ‬قتيل‭ ‬سلع،‭ ‬وما‭ ‬قالها‭ ‬النواسي‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬المرقسي‭. ‬فهو‭ ‬رباعيّ‭ ‬التفعيلات‭ ‬كسابقيه،‭ ‬ويخرج‭ ‬معهما‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬الدائرة‭ ‬‮«‬المختلف‮»‬،‭ ‬غير‭ ‬أنَّه‭ ‬يأتي‭ ‬مقاربًا‭ ‬للرمل‭ ‬في‭ ‬صورته،‭ ‬ووزنه‭:‬

فاعلاتن‭ ‬فاعلن‭ ‬فعلُ‭ ‬حُبُّه‭ ‬في‭ ‬القلبِ‭ ‬يشتعِلُ

‭ ‬وإن‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬الثانية‭ ‬‮«‬المؤتلف‮»‬،‭ ‬لوقفت‭ ‬على‭ ‬الكامل‭ ‬والوافر،‭ ‬وأهل‭ ‬العروض‭ ‬يقدِّمون‭ ‬الوتد‭ ‬على‭ ‬السبب،‭ ‬فقدموا‭ ‬الوافر‭ ‬على‭ ‬الكامل‭ ‬وجعلوه‭ ‬رأس‭ ‬الدائرة‭. ‬وهما‭ ‬البحران‭ ‬الأكثر‭ ‬تواليَ‭ ‬للمتحركات،‭ ‬فكلاهما‭ ‬تتوالى‭ ‬فيه‭ ‬خمس‭ ‬حركات،‭ ‬بينها‭ ‬ساكن‭ ‬واحد،‭ ‬فإن‭ ‬تقدمت‭ ‬الحركات‭ ‬فذاك‭ ‬الكامل،‭ ‬وإن‭ ‬تأخرت‭ ‬فذاك‭ ‬الوافر،‭ ‬وكلاهما‭ ‬سداسي‭ ‬التفعيلات،‭ ‬إذ‭ ‬تتكرر‭ ‬التفعيلة‭ ‬الواحدة‭ ‬ست‭ ‬مرات‭:‬

‭ ‬متفاعلنٌ‭ ‬متفاعلنٌ‭ ‬متفاعلُ‭ ‬كملت‭ ‬ملامحه‭ ‬فذاك‭ ‬الكاملُ

والكامل‭ ‬صالح‭ ‬للتغنّي‭ ‬والترنّم،‭ ‬ترتاح‭ ‬إليه‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬سرورها،‭ ‬فتؤثره‭ ‬على‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬البحور،‭ ‬لا‭ ‬يُشاركه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬إلا‭ ‬البسيط،‭ ‬والحقُّ‭ ‬أنَّهما‭ ‬متشابهان‭ ‬جدّا‭.‬

ثم‭ ‬شقيقه‭ ‬الوافر‭:‬

‭ ‬مفاعلتن‭ ‬مفاعلتن‭ ‬فعولُ‭ ‬على‭ ‬ذا‭ ‬النسج‭ ‬قابلْ‭ ‬ما‭ ‬تقول

‭ ‬وصلاحيّة‭ ‬الوافر‭ ‬للنوستالجيا‭ ‬لا‭ ‬تخفى،‭ ‬وأبرع‭ ‬الشعراء‭ ‬فيه‭ ‬المخزوميّ‭ ‬والمتنبي،‭ ‬فوافريّاتهما‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الوافريّات،‭ ‬وأشجاها‭!‬

‭ ‬وإذا‭ ‬تركب‭ ‬الكامل‭ ‬والوافر‭ ‬من‭ ‬التفعيلة‭ ‬الواحدة‭ ‬المكررة،‭ ‬فثمّ‭ ‬ثلاثة‭ ‬أبحر‭ ‬تجمعها‭ ‬دائرة‭ ‬‮«‬المشتبه‮»‬‭ ‬هي‭: ‬الرمل‭ ‬والرجز‭ ‬والهزج،‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬تفعيلة‭ ‬واحدة‭ ‬مكررة،‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬سببين‭ ‬خفيفين،‭ ‬ووتد‭ ‬مجموع،‭ ‬فإن‭ ‬تقدم‭ ‬السببان‭ ‬معًا،‭ ‬فذاك‭ ‬الرجز‭:‬

‭ ‬مستفعلن‭ ‬مستفعلن‭ ‬مستفعلُ‭ ‬

‭ ‬شجرةٌ‭ ‬أفرعها‭ ‬لا‭ ‬تؤكلُ

وإن‭ ‬تأخر‭ ‬السببان‭ ‬معًا‭ ‬فذاك‭ ‬الهزج‭:‬

مفاعيلن‭ ‬مفاعيلُ‭ ‬وتنسابُ‭ ‬المواويلُ

وإن‭ ‬فرّق‭ ‬الوتد‭ ‬بين‭ ‬السببين‭ ‬فذاك‭ ‬الرمل‭:‬

‭ ‬فاعلاتن‭ ‬فاعلاتن‭ ‬فاعلُ‭ ‬حبُّهنَّ‭ ‬المستبدُّ‭ ‬القاتلُ

والرجز‭ ‬يصلح‭ ‬للخشونة‭ ‬وما‭ ‬يتّصل‭ ‬بوصف‭ ‬الطبيعة‭ ‬وحياة‭ ‬البادية،‭ ‬كما‭ ‬يصلح‭ ‬في‭ ‬التفعيلة‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬القصصي،‭ ‬لكثرة‭ ‬ما‭ ‬يجوز‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الزحاف‭ ‬والتنوّع‭. ‬بينما‭ ‬الرمل‭ ‬شريف‭ ‬كالبحور‭ ‬الشريفة‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬أقصرها،‭ ‬والهزج‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬إلا‭ ‬لوصف‭ ‬اللحظة‭ ‬العابرة‭ ‬الحلوة‭ ‬الظريفة‭ ‬الرشيقة،‭ ‬أو‭ ‬القصص‭ ‬الموجّه‭ ‬للأطفال،‭ ‬وقد‭ ‬أجاد‭ ‬فيه‭ ‬أصحاب‭ ‬القصص‭ ‬كثيرًا،‭ ‬ولعبدالله‭ ‬الطيب‭ ‬فيه‭ ‬أعجوبتان‭: ‬‮«‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬يربوع‭ ‬والسعلاة‮»‬،‭ ‬و»السندباد‭ ‬البحري‮»‬،‭ ‬وربما‭ ‬هما‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوزن‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬التفعيلات‭ ‬السباعية‭ ‬قد‭ ‬كونت‭ ‬دائرتين‭ ‬معًا،‭ ‬فالتفعيلة‭ ‬الخماسيّة‭ ‬انفردت‭ ‬بدائرة‭ ‬‮«‬المتّفق‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تكونت‭ ‬من‭ ‬بحرين،‭ ‬أولهما‭ ‬المتقارب،‭ ‬وثانيهما‭ ‬الخبب،‭ ‬فهما‭ ‬بين‭ ‬فعولن‭ ‬وفاعلن،‭ ‬أما‭ ‬المتقارب‭ ‬فهو‭:‬

‭ ‬فعولن‭ ‬فعولن‭ ‬فعولن‭ ‬فعو‭ ‬حبيبي‭ ‬لقلبك‭ ‬ما‭ ‬تشتهي

وأما‭ ‬الخبب‭ ‬فهو‭:‬

‭ ‬فاعلن‭ ‬فاعلن‭ ‬فاعلن‭ ‬فاعلن‭ ‬

‭ ‬جاءني‭ ‬من‭ ‬رضا‭ ‬عاشقي‭ ‬ما‭ ‬يسُرْ

وإذا‭ ‬كان‭ ‬المتقارب‭ ‬شريفا‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬أسر‭ ‬الطويل،‭ ‬وخفّة‭ ‬الوافر‭ ‬وتدفّقه،‭ ‬وقد‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬الشعراء‭ ‬جدًّا،‭ ‬وبرع‭ ‬فيه‭ ‬الأعشى‭ ‬الكبير‭ ‬فكاد‭ ‬يبزّ‭ ‬جميع‭ ‬الشعراء‭ ‬فيه،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الخبب‭ ‬قد‭ ‬نما‭ ‬وازدهر‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬التفعيلة،‭ ‬فعندما‭ ‬اكتشفه‭ ‬شعراء‭ ‬التفعيلة‭ ‬كادوا‭ ‬يقدّمونه‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬الأوزان‭ ‬الأخرى‭.‬‭ ‬وأهمس‭ ‬في‭ ‬أذنك‭ ‬سرًّا،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يسمعنا‭ ‬عبدة‭ ‬أصنام‭ ‬التراث،‭ ‬الذين‭ ‬يحفظون‭ ‬ولا‭ ‬يتفكّرون،‭ ‬ويطيعون‭ ‬ولا‭ ‬يخرجون‭ ‬عن‭ ‬بيت‭ ‬الطاعة‭ ‬قِيد‭ ‬فكرة،‭ ‬فلتعلم‭ ‬أنَّ‭ ‬هنالك‭ ‬دائرة‭ ‬سادسة‭ ‬خفي‭ ‬أمرها‭ ‬على‭ ‬الخليل‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬الفراهيدي‭! ‬ولأجل‭ ‬خلطه‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬دائرة‭ ‬المتَّفق‭ ‬أخفى‭ ‬أمر‭ ‬الخبب،‭ ‬فزعموا‭ ‬جهلًا‭ ‬استدراك‭ ‬الأخفش‭ ‬على‭ ‬الخليل،‭ ‬فمن‭ ‬علم‭ ‬سرَّ‭ ‬إحكام‭ ‬الخليل‭ ‬صنعته،‭ ‬يعلم‭ ‬أنَّ‭ ‬الخبب‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬فاعلن‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يغيب‭ ‬

عنه‭. ‬ولكنّه‭ ‬لما‭ ‬أهمل‭ ‬الدائرة‭ ‬السادسة،‭ ‬وخلط‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الخامسة،‭ ‬أخفى‭ ‬أمرهما‭ ‬معًا‭. ‬وقد‭ ‬نبه‭ ‬القرطاجنّي‭ ‬على‭ ‬وزن‭ ‬واحد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسميه‭ ‬دائرة،‭ ‬فهو‭ ‬والمحققون‭ ‬من‭ ‬أمثاله‭ ‬ينكرون‭ ‬أمر‭ ‬الدوائر،‭ ‬فجعل‭ ‬من‭ ‬الخبب‭ ‬ما‭ ‬تفعيلته‭ ‬“متفاعلتن”‭ ‬ونضيف‭ ‬إليها‭ ‬“مفعولاتن”،‭ ‬وبها‭ ‬تكتمل‭ ‬كلّ‭ ‬التفعيلات‭ ‬التي‭ ‬أشار‭ ‬إليها‭ ‬الخليل‭. ‬فتكون‭ ‬كل‭ ‬تفعيلة‭ ‬قد‭ ‬كونت‭ ‬بنفسها‭ ‬بحرًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مفقودًا‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الخليل‭ ‬المحكم‭.‬

ثم‭ ‬هنالك‭ ‬دائرة‭ ‬‮«‬المشتبه‮»‬،‭ ‬وبحورها‭ ‬ستة،‭ ‬هي‭: ‬السريع،‭ ‬والخفيف،‭ ‬والمنسرح،‭ ‬والمجتث،‭ ‬والمقتضب،‭ ‬والمضارع،‭ ‬وهي‭ ‬عندي‭ ‬تمثل‭ ‬المرحلة‭ ‬الثالثة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬نضج‭ ‬الشاعر‭. ‬فعندما‭ ‬يبدأ‭ ‬الشعراء‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر،‭ ‬إنما‭ ‬يبدؤون‭ ‬ببحور‭ ‬بعينها‭: (‬الكامل،‭ ‬والوافر،‭ ‬والرمل،‭ ‬والمتقارب‭)‬،‭ ‬فهي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الحلاوة‭ ‬واليسر،‭ ‬إذ‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬تفعيلة‭ ‬واحدة‭ ‬مكررة‭ ‬بمقدار‭ ‬ثابت‭. ‬ثم‭ ‬اعلم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البحور‭ ‬نفسها‭ ‬يختلف‭ ‬إيقاعها‭ ‬الداخلي‭ ‬عن‭ ‬وزنها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أسهل‭ ‬البحور‭ ‬وأعقدها‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬فالذي‭ ‬يقرأ‭ ‬معلقتي‭ ‬لبيد‭ ‬بن‭ ‬ربيعة‭:‬

عفت‭ ‬الديار‭ ‬محلها‭ ‬ومقامها

ومعلقة‭ ‬عنترة‭:‬

هل‭ ‬غادر‭ ‬الشعراء‭ ‬من‭ ‬متردم

يكاد‭ ‬يُقسم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القصيدتين‭ ‬شديدتا‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬موسيقاهما‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬نضج‭ ‬الشاعر‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬المزج‭ ‬بين‭ ‬التفعيلات،‭ ‬فيدرك‭ ‬بذوقه‭ ‬وزني‭: ‬الطويل‭ ‬والبسيط،‭ ‬فهما‭ ‬وإن‭ ‬كانا‭ ‬الغاية‭ ‬في‭ ‬النغم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تركيبهما‭ ‬سهل‭ ‬ميسور،‭ ‬وذلك‭ ‬لبساطة‭ ‬التركيب‭ ‬نفسه،‭ ‬فالفرق‭ ‬بين‭ ‬التفعيلة‭ ‬السباعية‭ ‬والخماسية‭ ‬فيهما،‭ ‬مقداره‭ ‬سبب‭ ‬خفيف‭ ‬لا‭ ‬غير‭. ‬وتكون‭ ‬العبرة‭ ‬كذلك‭ ‬بالإيقاع‭ ‬الداخلي‭ ‬لا‭ ‬بالوزن‭ ‬العام‭.‬

ثم‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثالثة‭ ‬يصل‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬المشتبه،‭ ‬وبحورها‭ ‬الستة‭. ‬فهي‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد،‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يستقيم‭ ‬منها‭ ‬عند‭ ‬عامة‭ ‬الشعراء‭ ‬غير‭ ‬الخفيف‭ ‬ومجتثه،‭ ‬وهما‭ ‬إن‭ ‬تأملتهما‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬تحوير‭ ‬أصاب‭ ‬المديد،‭ ‬من‭ ‬كونهما‭ ‬مع‭ ‬المنسرح،‭ ‬والمضارع،‭ ‬والمقتضب‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬واحدة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعلهما‭ ‬أكثر‭ ‬دورانًا‭ ‬من‭ ‬غيرهما‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬بعد،‭ ‬فقد‭ ‬قرأت‭ ‬قصيدتك‭ ‬بعين‭ ‬الرضا،‭ ‬فوجدت‭ ‬فيها‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الشعر،‭ ‬ولكنَّ‭ ‬ضيق‭ ‬الوعاء‭ ‬يفسد‭ ‬ما‭ ‬يُحمل‭ ‬فيه‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬كبيرًا،‭ ‬والوزن‭ ‬وعاء‭ ‬الفكرة،‭ ‬فهو‭ ‬جامع‭ ‬بين‭ ‬اللفظ‭ ‬والمعنى،‭ ‬وهو‭ ‬منهما‭ ‬أعم‭. ‬فأردت‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حوار‭ ‬ما‭ ‬بيني‭ ‬وبينك‭ ‬ما‭ ‬ينفعني‭ ‬وينفع‭ ‬غيرك‭. ‬وحتى‭ ‬الملتقى‭ ‬في‭ ‬محاورة‭ ‬أخرى،‭ ‬تقبل‭ ‬تحياتي،‭ ‬والسلام‭.‬


댓글


bottom of page