top of page

فضل... سيرة نقديّة

تاريخ التحديث: ١ نوفمبر ٢٠٢٣

الناقد في مرايا فكره



د. صلاح  فضل
الدكتور صلاح فضل

الناقد د. رضا عطية
د. رضا عطية

"صلاح فضل.. سيرة نقديّة"، كان هذا هو العنوان الذي اختاره أستاذي شيخ النقاد العرب، الدكتور صلاح فضل، للكتاب الذي شرع في جمع سيرته الحياتيّة والفكريّة، ورحلته مع الأدب والنقد، حيث أراد- بحسب وصيته لي ولناشره الأستاذ محمد رشاد- أن يجمع فصول سيرته المنشورة في كتابين هما: عين النقد (طبعة أولى 2013، وطبعة ثانية مزيدة 2018)، وصدى الذاكرة (طبعة واحدة في 2021) في كتاب واحد تحت هذا العنوان: "صلاح فضل.. سيرة نقديّة"، وكأنَّه يرى سيرته الحياتيّة والفكريّة هي ممارسة للنقد. وإذا كان عنوان الكتاب الأول الذي ضمَّ فصولاً من سيرته، الذي هو، أيضًا، عنوان أثير لصلاح فضل، إذ سبق وأن اختاره عنوانًا لباب يكتبه للصحافة الثقافيّة وعنوانًا كذلك لأحد كتبه في نقد الرواية، ما يشف عن مفهوم فضل للنقد بوصفه عينًا على الأدب، تلتقط حدقتها جمالياته، وتبصر تكويناته وتشكلاته، وترصد تحولاته أيضًا. وهكذا كذلك كتابة الذات لسيرتها، إذ تمارس نقدًا ذاتيًّا على نفسها قبل الآخرين، فضلًا عن ممارستها النقد على معطيات الحياة وظواهر الوجود وأحداث التاريخ والمواقف والتجارب، وهذا ما يرتبط عند فضل بفعل المساءلة، حيث يقول: "تعوَّدت على مُساءلة نفسي منذ الصّغر، قبل أن أخضع لمحاسبة الآخرين وتقييمهم".

ومفهوم كتابة السيرة بوصفها "صدى الذاكرة" الذي كان عنوان كتابه الثاني، الذي حوى فصولًا من سيرته، يكشف عن وعيٍ بطبيعة عمليّة الاسترجاع الذاكرتي:

عندما يسترجع الكاتب المتأمل. مشاهد وخواطر من سيرته، ينشقّ في يده القلم إلى شعيرات ثلاث؛ تمتد أولاها إلى النقطة الوضيئة البعيدة في أغوار ذاكرته، تحاول الإمساك بها والقبض على ذبذباتها المتأرجحة المتفلتة من محو النسيان، أما الشعيرة الثانية فتنبثق في بؤرة وعيه الآني لحظة الكتابة، لتُشكِّل منظوره الراهن لذاته ورؤيته لماضيه، ورغبته في تجميله، عندئذ تلتف عليه الشعيرة الثالثة التي تربط بين الوعي واللاشعور لتحاول التأليف بين العناصر المتفاوتة الدقيقة، وتمارس ألاعيب الذاكرة في «الحفظ والنسيان»، في الحذف والتضخيم وربما الإضافة أيضًا. تركيب هذه العمليّة الإبداعيّة يسمح للمتخيّل أن يتوهم تمثيل الواقع الماضي، بينما هو يعيد إنتاجه ليضفي عليه دلالاتٍ ومعانٍيَ لم تكن له حينها، ويدرجه في نسق شعوريّ وفكريّ من صنع التأليف ومبتكرات الكتابة، فإذا ما كان الكاتب قد سبق له أن روى هذه الذكريات شفاهة من قبل؛ فإنَّ نسبة تباعدها عن الواقعة الحقيقيّة تتفاقم بشكل لافت، لأنّه قد اخترع نصف الحقيقة في الرواية الشفهيّة، ولم يبق من معالم الذكرى الأصليّة سوى الأصداء الخافتة الشاحبة التي أعيد تلوينها مرتين. وسواء كان الكاتب مدركًا لذلك أم غير متفطن له، فإنَّه يكتسب من عذوبة السرد بقدر ما يجيد من: كذب الرواية، وحلاوة التأويل، وبراعة الإنتاج.


ثمّة وعي بعمليّات الاستنساخ التي يقوم بها الكاتب، عبر ما يتردد في ذاكرته من أصداء وفعل المتخيّل فيما يمارسه من تعديلات على أصول الوقائع وصور الأحداث الأصليّة، ما يجعل المادة المستدعاة عبر الذاكرة، والممارس عليها الفعل التخييليّ بواسطة الكتابة، عُرضةً للنسخ، بالحذف أو التضخيم، باعتبار أنَّ كتابة السيرة هي تداخل زمنّي للحظتين: لحظة الكتابة ولحظة الحدث، فتمسي الكتابة هي إعادة تلوين عبر وعي الحاضر الآني لمعالم الماضي الشاحبة المتروكة.

تشكّلات الحداثة العمريّة والجدل الاتجاهاتيّ

يحكي صلاح فضل في سيرته النقديّة عن تشكيل وعيه في حداثة عمره، وما مرّ به من مراحل، حيث النشأة الدينيّة في الريف، وحفظه القرآن الكريم في الكُتَّاب، ثم التحاقه بالدراسة في معهد أزهريّ في القاهرة، فكانت نقلة مهمة في حياته بمرافقة عمّه، فيقول عن هذه التجربة:

التحق عمّي عبد الغني بحقوق القاهرة، وأقنع جدي بأن يصحبني معه إلى العاصمة؛ فحوَّلت إلى المعهد الثانوي فيها، وخضعت لأكبر عملية "غسيل مخ" مُمَنْهَجَةٍ، عندما ارتاح عمي إلى قدرتي على القراءة له وهو مضطجع على أريكته، أخذت أقرأ له بانتظام وتدبُّر جميع مواد وكتب القانون: الدستوريّ، والمدنيّ، والإجراءات، والاقتصاد الدولي، والنظريّات المطوَّلة عن القانون الروماني؛ فاكتشفت أنَّ العالم الضيق الذي تصوِّره العلوم الأزهريّة محدود وفقير وقديم، دخلتُ بوَّابة العصر الحديث بعد أن أعادت الحقوق صياغة عقلي بالنظم السياسيّة والتشريعات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والوعي بمراحل الحضارة الإنسانيّة، كما تكفلت القراءات الحرّة بالانفتاح على الحيوات الفنيّة الإبداعيّة في: السينما، والمسرح، والشعر، والفنون التشكيليّة، أدمنتُ التردُّد اللاهث على الندوات والمحاضرات العامة المتعدِّدة في الليلة الواحدة، بالقاهرة، نهاية الخمسينيّات وبداية الستينيّات. ثم التحقت بكليّة دار العلوم لأفرَّ رسميًّا من الجُبَّةِ والعمامة، وأدخل رحاب الجامعة المختلطة، وأشهد أمام عيني صراع القديم والجديد في أحلى صُورِه، فهناك فريق من الأساتذة التقليديّين يكرِّرون علينا ما سئمنا منه في الأزهر، من: نحو، وفقه، وبلاغة، لكنَّهم يتضاءلون ويصبحون أقزامًا عندما نقارنهم بكوكبةٍ طليعيّة من أساتذة الأدب والنقد والفلسفة، الذين يدرِّسونا علوم اللغة والنقد بمعارفهم التي اكتسبوها من أعرق الجامعات الغربيّة، تبين لي بوضوح قاسٍ الخيطُ الأبيض من الأسود، وعرفت ماذا أبغي وما أقصد.

يكشف صلاح فضل ـ على امتداد سيرته ـ تحولات الوعي الفكريّ لديه، والعوامل التي أسهمت في تشكيل وتطوير جهازه المعرفيّ، حيث تعدد مصادر هذا التشكيل، وتنوّع المنافع الثقافيّة التي رفدت فكره، فقد تشرّب رحيق بلاغة اللغة وجماليّاتها وإيقاعها من الثقافة الأزهريّة التي تلقاها في طفولته وصباه، ثم كانت الأقدار والمفارقة بدراسته الموازية للحقوق واطلاعاته على القانون حين كان يرافق عمّه، فأسهمت في اكتشافه عالمًا آخر مختلفًا عن العالم الذي طالعه عبر النافذة الأزهريّة، كما عملت ـ ولو بشكل غير مباشر ـ على تنظيم طرائق تفكيره على بنية منضبطة تشبه البنية النسقيّة القانونيّة، لكن لم تكن لهذه الأقدار وحدها أن تهيئ صلاح فضل لأية نقلات فكريّة في حياته لولا موهبة فريدة وشخصيّة صاحبة إرادة مصمِّمة على التميُّز، كما يبدو في سعيه عبر قراءات حرّة منذ حداثته العمريّة وبواكير شبابه؛ لإنماء معارفه، وإثراء فكره، وتوسيع دائرة ثقافته.




د. صلاح  فضل

كما تأتي مرحلة الدراسة بكليّة دار العلوم نُقلةً أخرى في حياته واطلاعه على الصراع الذي كان دائرًا ومحتدمًا بين تياري الأصوليّة والحداثة وقتها، ويُلاحظ أنَّ تيار القديم يبدو متمسكًا ببلاغة اللفظ وثقافة الشكل، في حين ينتمي تيار التجديد إلى ثقافة الأفكار، وينحاز إلى جماليّات تعبير الأدب عن تلك الأفكار، ويُعلي دور المعرفة الفلسفيّة، بوعي مدرك الخيوط والوشائج الضامة الأدب بالفلسفة.

إسبانيا: بوابته السحريّة على العالم والحداثة

كانت أمنية صلاح فضل، المعيد آنذاك بدار العلوم، أن يسافر بعثة دراسية إلى فرنسا، وتحديدًا باريس، عاصمة النور، ليسير في درب طه حسين ومحمد مندور، ويقتفي آثار خطاهما. لكن حالت الأقدار دون رغبته تلك، وحصل على منحة دراسة في إسبانيا، فجاهد فضل لتعلُّم اللغة الإسبانيّة التي لم تكن رئيسيّة في مؤلَّفات الأدب والنقد لكتّابهما الكبار، لكن كانت تترجم إليها أحدث المؤلَّفات من لغاتها الرئيسيّة:

قرت عيني أخيراً بالمكان الذي أدرس فيه، وخططت لمشروعي النقدي خلال إتمامي لرسالة الدكتوراه، أدركت أن الإسبانيّة التي أغزل بها ليست رجل حمار كما توهمت، بل هي بلورة سحريّة أرى العالم بوضوح خلالها، شرعت عقب مناقشتي للدكتوراه في تصميم كتابين متزامنين، أحدهما عن منهج الواقعيّة في الإبداع الأدبيّ، الذي تضمن ثلاثة فصول لم يسمع بها الواقعيّون اليساريّون العرب، أولها عن الأسس الجماليّة للواقعيّة التي كان (لوكاسين) قد بشر بها، وترجمت كتاباته إلى الإسبانيّة قبل الفرنسيّة والإنجليزيّة، من قبل التروتكسيين في المكسيك، فقرأت موسوعته الجماليّة الباهرة وكشفت أهم معالمها، والثانى عن سوسيولوجيا الأدب، أو علم اجتماع الأدب، الذي كان (لوسيان جولدمان) قد أنضج أبرز مقولاته عن رؤية العالم، ولم يعرف عنها اليساريّون عندنا الكثير، والفصل الثالث عن الواقعية السحريّة في أدب أمريكا اللاتينيّة التي عايشتها خلال مكوثي في المكسيك ثلاثة أعوام، التقيت فيها بكبار مبدعيها وكتبت عن «جارثيا ماركيث» ورائعته مائة عام من العزلة، قبل أن يحصل على نوبل أو يعرفه أحد.

أما الكتاب الثاني فهو الذي أحدث تحولًا حاسمًا في مسيرة النقد العربيّ وهو «نظرية البنائيّة في النقد الأدبي» حيث عانيت مسؤوليّة صياغة المصطلحات العربيّة الأولى وكتبته بمنهج مخالف تمامًا، وسابقٍ كلّ الملخصات التي عرفت بنظريّة البنيويّة وتطبيقاتها في الشعر والسرد، فكتبت صيغة أوّليّة له مزقتها لعدم اقتناعي بها. وعندما هممت بتمزيق المسودة الثانية أدركت أنّني لن أفلح في إنجازه فنشرته باعتباره تجربة سأعيد تحريرها فيما بعد، عندما يتيسر لي، لكني سرعان ما صرفت النظر عن إعادة كتابته، لإدراكي أنني لو فعلت ذلك فسوف لا أنجز في حياتى سوى كتاب واحد لن أرضى تمامًا عنه. كانت لغة الكتاب يسيرة، ومشروعه طموحًا، وأيقنت أن الدراسات التطبيقيّة هي الكفيلة ببيان جدوى النظريّة في هذه المرحلة أيضًا. وكنت قد عدت إلى القاهرة ثم غادرتها إلى المكسيك.

أنجزت أيضًا كتابًا ثالثًا وهو «تأثير الثقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي» وهو أكمل بحث في الأدب المقارن كلّفني سنوات طويلة من الجهد لإتمام حلقة الوثائق الدامغة، التي تثبت مقولة المستشرق الإسباني العظيم «أسين بالاثيوس» في أن عبقريّ اللغة الإيطاليّة وفيلسوف اللاهوت المسيحي (دانتي) قد استقى من معين الثقافة الإسلاميّة بروافدها الشعبيّة الخصبة، وخيالها الدينيّ العريض، وأهم ما حافظت عليه في هذه الدراسة هو الاعتداد بالقيمة العليا للملحمة الإيطاليّة، بحيث يصبح كشف التأثر فيها وسيلة لتثمينها وتكريس أهميتها الثقافيّة."

تتبدى قدرات صلاح فضل الفائقة في استيعاب النظريّة النقديّة للحداثة عبر وسيط لغوي، غير مباشر، الإسبانيّة، وبروز شخصيته النقديّة التي لها تكوينها الفكريّ، المتشرّب أطروحات الحداثة النقديّة، والمستوعب فلسفتها، والقادر على إعادة تقديم نظرياتها، وفق تمثُّل واعٍ لعقل نقديّ لا يقدِّم مجرد ترجمات لنظريّات نقديّة، وإنَّما يقوم بعمليّة "هضم" استيعابي لها، ليعيد اجترار عصارتها الفكريّة، ويقوم بعمليّة "توطين" و"استزراع" لها في حقول الثقافة العربيّة. كما يتجلى التمدُّد المنهجيّ الطموح لدى فضل بالخوض في مناهج متمايزة، ما بين: النظرية البنائيّة ابنة الغرب الرأسماليّ والفكر اليمينيّ، والواقعيّة ابنة الفكر اليساريّ، أي إنَّه قدَّم في نفس العام، 1978، كتابين ينتمي كلٌّ منهما إلى معسكر فكريّ مقابل للآخر؛ ما يدّل على التجرُّد المنهجيّ والتحرُّر الفكريّ من الانحياز لأيديولوجيّة ما بعينها، وقد حمل كتاب منهج الواقعيّة في الإبداع الأدبيّ كثيرًا من قواعد ومبادئ النقد الثقافي.


كما تمثِّل دراسته الثالثة، في الأدب المقارن، حول تأثير الثقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي، نقلة نوعيٍة في دراسة الأدب المقارن، باتزان منزَّه من حماسة كثير من الباحثين، الذين يحولون مجال الأدب المقارن ساحة صراع أحيانًا بين الشرق والغرب.

رؤية فضل للشعر ووصيته للشعراء

من الفصول اللافتة في سيرة صلاح فضل النقديّة، ما يعلن فيه رؤاه حول الشعر ومفهومه له، وللدكتور صلاح فضل منجز كبير وفارق في نقد الشعر؛ حيث تأتي مقدمة كتابه أساليب الشعريّة المعاصرة بمثابة نظرية نقديّة عربيّة في التصنيف الأسلوبيّ للشعر؛ ليقدِّم فضل في هذا الكتاب طرحًا تنظيريًّا حول أساليب الشعريّة ومداراتها، وما شيده من مدرج تصنيفي لـ"سلم" الدرجات الشعريّة، وكذلك تصنيفه للأساليب الشعريّة وتوزيعه لها بين الأسلوب الحسيّ والحيويّ والدراميّ والرؤيويّ، ومع قيام صلاح فضل بالتحديد التصنيفي لهذه الأساليب، معتمدًا على سلم الدرجات الشعريّة في تحديد انتماء التجارب الشعريّة المختلفة والمتنوعة لأي من هذه الأساليب، فإنّه يؤمن- في الوقت نفسه ـ بالانفتاح الأجناسي والتمدد النوعي، تلك الفكرة التي كان فضل طرحها في كتابه بلاغة الخطاب وعلم النص القائلة بـ عبر نوعية النوع الجمالي، إضافةً لمقاربات تطبيقيّة تراوح في تجارب العديد من الشعراء العرب الكبار ومن أجيال مختلفة: كأدونيس، ونزار قباني، والسياب، ومحمود درويش، وسعدي يوسف، والماغوط، وغيرهم، تنقلًا بين مدارس متنوعة وأساليب شعريّة مختلفة من الشعر الموزون التفعيليّ أو العموديّ إلى قصيدة النثر.





ويقدِّم صلاح فضل تصورًا للشعر وتعريفًا جوهريًّا له:

وإذا عرفنا أنَّ الشعر في جوهره طاقة مُمَوسَقة، وروح مُجَنْحَة، وصناعة لغويّة فائقة، فهو جنون اللغة وعبقريتها، وكنز تجدُّدها وخصوبتها، وهو كذلك منجم الخيال الخلَّاق الذي يمدُّ العلوم والفنون الأخرى بطاقات الصعود فوق سطح الواقع، بمجازاته وصوره، واستعاراته ورموزه وأساطيره، حتى تُحلِّق في فضاء الحلم والخيال، وهو أيضًا صانع عواطف البشر ومانحها أسماءها على مرّ العصور. فهو الذي جعل غريزة البقاء حبًا وعشقًا، وآلام النفس وجدًا وصبابة، وعلاقات البشر أكثر إنسانيّة ورُقيًّا، وهو أيضًا صانع منظومات القيم من حريّة وكرامة ومجد. إذا أدركنا كلّ ذلك بوعي شامل، وحسّ عادل، آمنا بأنَّ الشعر لا يمكن أن يموت ما بقيت في الإنسان عواطفه وأخيلته وروحه، وأنَّه قد يمرُّ ببعض التحولات والأزمات، وهي في جوهرها أزمات نمو وتعاظُم لا ضمور وتقادُم.

يدرك فضل بأنَّ الشعر طاقة، أي يتجاوز الخطابات العاديّة والمعرفة العلميّة كما يؤكَّد على مكونات مادته وعناصر عجينته من الموسيقى والجنوح اللغوي والخيال الخلاق، كما يبرز تأثير الشعر في الفنون والخطابات الأخرى، وإذا كان فضل أول من استخدم المصطلح النقدي، "عبر النوعيّة"، فإنَّه يؤكِّد أيضًا على: التراسل النوعي، والانفتاح الأجناسي، وحضور النوع الشعري في غيره من الأنواع الأدبيّة، وحتى غير الأدبية. ويشدد عن بقاء حياة الشعر ارتباطًا بكونه تعبيرًا عن عواطف الإنسان وروحه وتمثيلاً لخياله، فالشعر هو التعبير عن أحلام الإنسان، وهو ما يكفل له البقاء.

ولا يفوت صلاح فضل أن يبدي رأيه في حروب النوع الواحد بين أهل الشعر فيقول:

قامت حروب أهلية بين أنصار العمود وأهل النثر، وضاع الشعر بينهما. فكثير من شعر العمود نظمٌ لا حياة فيه ولا ماء ولا خيال ولا ابتكار، وكثير من النثر مجرد سطور غثة لا تُرضي ذوقًا ولا تشبع خيالًا ولا تهزّ أيّ نفس، ودعوتي التي طالما جهرت بها هي تحكيم أساليب الشعريّة المُعترَف بها عندنا وفي جميع الثقافات الحيّة، والتعايش السمح والتبادل الحر بين الأشكال والأنماط، والبحث عن ابتكارات إبداعيّة جديدة في الشعر المسرحي والدرامي والغنائي والعامي، والتواصل الجمالي الخلاق مع الجمهور الشريك في الإبداع حينًا، والعزوف عن مرضاته وتَعمُّد إدهاشه وتثوير ذائقته بجماليات جديدة حينًا آخر، على ألا نفقد في كلّ هذه الحالات جوهر الشعريّة وجذر الثقافة القوميّة وحسّ التواصل المُثمِر مع الشعريات العالميّة المزدهرة في الشرق والغرب. كفوا أيها الشعراء عن تكفير بعضكم، وامتنعوا يا نقاد الشعر عن شن حروب الطوائف، ورفض مزايا الاختلاف، فلغتنا الجميلة حقًا ـ رحمك الله يا فاروق ـ تتسع لكل العلم والفن والخيال والخلق، وتحتضن كنوز الماضي في الوقت الذي تتسع فيه بكل أريحيّة لاكتشافات الحاضر والمستقبل، وأرواحنا بحاجة إلى غذاء الجمال ونداء الحريّة والإيمان بالحق، وليس هناك مثل الشعر في تعميق إنسانيّة الإنسان وتطويع ذاكرته، وريّ روحه بمائه الصافي العليل.

يتفطن فضل إلى أنّ الصدام الدائر والجدل المستعر بين أنصار القصيدة التقليدية والشعر الموزون من ناحية، وأنصار قصيدة النثر من ناحية ثانية، قد أهدر طاقات الشعراء، وضيَّع الشعر. كما يضع يديه على مشكلة الشعر في الحاضر الراهن مشيرًا إلى أنَّه "شكل" بلا روح في الشعر الموزون الذي لا تزيد كثير من نصوصه عن حد "النظم" في مقابل أن تأتي كثير من نصوص قصيدة النثر غثَّة، فقيرة الخيال.

وبعدما شخَّص صلاح فضل "الداء" يقدِّم الدواء اللازم للعلاج بتثوير الذائقة الشعريّة بجماليّات جديدة، والانفتاح على الشعريّات العالميّة، مع عدم التخلي عن جوهر الثقافة القوميّة والتحديث الطليعي لأساليب الشعر، ما يؤكِّد على شخصيّة صلاح فضل النقديّة المتّسمة باتزان واعٍ، فبقدر ترحيبه بالأساليب الطليعيّة وتشجيعه لعدد من نماذجها، كما كتب عن عدد من التجارب في نوع قصيدة النثر، فإنَّه يدعو إلى ترشيد مثل هذه الانفجارات تحت شعار الكتابات الطليعيّة؛ لأنَّ كثيرًا منها غثٌّ وتنقصه روح الشعر، كما لم ينجرف بتشجيعه للإبداع الطليعي ـ مثلما فعل غيره من النقاد والشعراء ـ إلى نفي النماذج الإبداعيّة الخالدة في النوع الشعريّ، كقصيدة التفعيلة، والقصيدة الموحدة الوزن والقافية، ما يكشف عن شخصية فكريّة متسعة الأفق ومتعددة الجوانب، وهذا ما سيبقي روح أفكاره حيّة تمامًا، كروحه العظيمة.




د. صلاح فضل ود.رضا عطية




Commentaires


bottom of page