top of page

عصير الكلمات... نظرة على الشعر السوداني المعاصر

تاريخ التحديث: ١ نوفمبر ٢٠٢٣


الشيخ نوح
الشيخ نوح

يبوب معظم الدارسين للشعر السوداني عبر كرونولوجيا تاريخية تنفتح ابتداء من العصر الفونجي مرورا بالعصر التركي وشعر الثورات وصولًا إلى عتبة ما أسموهما بالتيار التقليدي والتيار الوجداني، ثم الأسلوب الواقعي بعد ذلك، وانتهاء بحركة الشعر الحر وقصيدة النثر وما تلاها من تقليعات شعرية معاصرة.

وتزخر المدونة الشعرية السودانية المعاصرة بإنجازات فائقة، تمتاز بثرائها كمًّا وكيفًا، وهو الأمر الذي يدمغ الدارس بطابعه المربك بالمعنى الفني، وهو يتناول هذه المدونة ذات الاتجاهات الملونة؛ سواء من جهة الأساليب اللغوية أو الخيارات الفنية، أو من جهة المضامين أو الأشكال أو حتى من منطلق الخلفيات الفكرية والمشارب الثقافية ذات التنوع الهائل؛ على غرار تنوع المجتمع السوداني وتاريخيه البعيد والقريب. إن هذه الإشكاليات سوف تلقي بلا شك بظلالها على ما سنتناوله هنا في هذا الحيز، وهو أمر سيضطرنا إلى المرور ببعض النماذج البارزة كعينات دالة كي نعطي فكرة ولو بسيطة عن الشعر السوداني المعاصر وعوالمه واتجاهاته، نظرًا لمحدودية البياض المتاح لنا في هذه الإطلالة، محاولين التكثيف قدر الإمكان للإحاطة بمشهد شعري يمور بالتحولات المستمرة، كما هي حال صيرورة الفن في كل زمان ومكان.

ولعل ما يلاحظه الدارس أو القارئ المشتبك بالشعر السوداني المعاصر هو التحام هذا الشعر بالواقع الثقافي والأنثروبولوجي الذي يميز السودان؛ بوصفه همزة وصل بين سياق حضاري عربي وبين تدفق ثقافي إفريقي، فكان إفريقي السحنة عربي الجذور وإنساني المنطلقات في الغالب الأعم.


محمد أحمد المحجوب
محمد أحمد محجوب

إن مسألة الهوية التي تعدُّ من الملفات الشائكة، ليس في السودان وحده، وإنما في معظم الدول العربية، ولا سيما تلك الدول التي توصف بـ "الأطراف" في مقابل المركزية المشرقية، ولطالما كانت الأطروحات التي تمسُّ موضوع الهوية مغذية لحوارات ونقاشات وحتى صراعات، تلون بتشعباتها المشاريع السياسية، وتنسحب على المشاريع الإبداعية والفكرية، مساهمة في الآن ذاته في تأجيج الاختلافات باعتبارها مصدر توتر حينًا أو فاتحة نوافذ للتنوع بكل ما يكتنزه من طاقة إبداعية ومن فرص للقوة والتميز حينًا آخر.

إننا هنا قد لا نعتمد على كرونولوجيا الزمن بتتابعه القسري حصرًا، بقدرما سنعتمد على البعد الفني أو التصنيف المدرسي النقدي للظواهر الشعرية السودانية، ذلك أن الأزمنة الثقافية والفنية تتداخل مع الأزمنة الفلكية عربيا على الأقل، بل إن هذه الأزمنة قد تتجاور دون أن تتطابق مع الزمن الفلكي.


إدريس جماع
إدريس جماع

إن الحديث عن الشعر السوداني المعاصر يستدعي إلى الذهن فورا مجموعة من الأسماء اللامعة في هذا المجال؛ بدءًامن الاتجاه الرومانسي مع كل من محمد أحمد محجوب والتيجاني يوسف بشير وإدريس جمَّاع وسواهم كثير، ولعل تجربة التيجاني يوسف بشير، والتي سبقت العديد من شعراء العربية المعاصرين المكرسين، برومانسيتها الناضجة والواعية بشروط الاشتغال الشعري في هذه المدرسة، لم تحظَ بما يليق بها من انتشار وإشادة في تقديري، غير أن هناك بعض الدارسين ممن تنبهوا لذلك مؤخرًا. وككل الشعراء الرومانسيين في العالم تزخر عوالم التيجاني يوسف بشير بنبرة غنائية شفيفة، تتخذ من الغابات والأنهار والهروب الجمالي إلى كنف الطبيعة مرتكزات لها في التعبير عن عوالمها الداخلية، وما تموج به النفس البشرية من طاقات شعورية هائلة في علاقتها بالعالم من حولها، متوكئة على تهويمات وجدانية أغنت الشعرية العربية بروافد جمالية نضاحة بالفن، ويقول في نص بعنوان: "قصيدة أنت أم النيل؟!": غننا يا جميل أغنية النيل وبارك بسحر عينيك فيه وانحدر موجة على الشط غرقى غير مسترقد ولا معتفيه إن في حسنك العميق لأنهارًا عِذابًا تغصُّ من آذيه إن في وجهك الوضيء وعينيك ينابيع من دلالٍ وتيه أنت يا فاتني أم النيل زخار.. بنفسي كليكما من شبيه



التجاني يوسف بشير
التجاني يوسف بشير


وتأسيسًا على هذا التاريخ الشعري الممتد، ومجاراة لكل التغيرات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها المجتمعات العربية فجر الاستقلال عن الاستعمار وبداية تحديث هذه المجتمعات، بعد الرجة التي أحدثها اللقاء بين هذا العالم مع العالم الغربي، بزغت حركة الشعر الحر على يد أقطابه الأوائل من أمثال الشاعر محمد عبد الحي والشعراء صلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم، وعبد الله شابو وعثمان أبكر الذي أسس مع مجموعة من الشعراء السودانيين مدرسة "الغابة والصحراء"، والتي تعبر بأمانة عن القلق الهوياتي أو عن الوعي الفني لازدواجية الهوية السودانية، عبر مرموزين يعبر كل منهما عن خلفية ثقافية محددة؛ على اعتبار أن الغابة تمثل الامتداد الإفريقي للأمة السودانية وأن الصحراء تكني عن الجذور العربية لهذه الأمة. وربما عبر الشاعر عبد الله شابو عن هذا التنوع الثقافي والحضاري بقوله:

لي أفق يتسع لكل خيارات الآخر

ولأني أرفض أن أسجن

في قفص الرأي الواحد

تتمدّد أغصاني.



محمد مفتاح الفيتوري
محمد مفتاح الفيتوري

بينما منح الشاعر الظاهرة والأكثر تكريسًا ضمن شعراء السودان المعاصرين من جيله، والأوسع انتشارًا خارج السودان، الجزء الإفريقي من هويته النصيب الأوفر مع جذور صوفية ناطقة، مقتصرًا مشروعه الشعري تقريبًا على تلميع هذه المناطق شبه الغامضة من الوعي الثقافي السوداني، ونعني هنا محمد مفتاح الفيتوري، دون أن يحيّد الانشغال بالهمِّ العربي وقضية فلسطين على وجه الخصوص، وبالهمِّ الإنساني والأسئلة الوجودية الكبرى بشكل عام.. يقول الفيتوري:

يا أخي في الشرق، في كل سكن يا أخي في الأرض، في كل وطن أنا أدعوك.. فهل تعرفني؟ يا أخًا أعرفه.. رغم المحن إنني مزقت أكفان الدُّجى إنني هدمت جدران الوهن (...) أنا حي خالد رغم الردى أنا حر رغم قضبان الزمن!

ولا ينقطع تدفق المياه الشعرية في السودان لدى الأجيال اللاحقة، مستلهمة حركتها من حركة مياه النيلين الأبيض والأزرق، ومن إرث ثقافي وحضاري، يمتد عميقا في تاريخ هذه التربة الأفريقية العربية، مشكلا قزحية ثقافية وفنية أخاذة، أثرت المتن الشعري العربي بألوان جديدة وضخت فيه دماء إضافية.

وهناك ملمح معبر في الشعر السوداني المتأخر نسبيًا، وهو بزوغ حركة شعرية نسائية- إن جاز هذا التعبير- كما سوف نبين على نحو خاطف لاحقًا، بشكل لافت للملاحظة والرصد.

ولعل الشاعرة روضة الحاج تمثل نموذجًا يمكن الاقتراب منه في هذا الصدد، بلغتها الجزلة وموقفها الشعري الواعي من العالم والزمن، واستدعاءاتها التراثية الموظفة في خدمة ما تريده شعريًا وفنيًا، وهو ما يمكن سحبه على نخبة من الشواعر المبدعات مثل: ابتهال محمد تريتر، ودينا الشيخ، ومنى حسن، ومناهل فتحي، وآية وهبي، وشيريهان الطيب.

إن الشاعرة دينا الشيخ، التي تسنَّى لي التغلغل في تجربتها الشعرية عن قُربٍ وتؤدة، خاصة من خلال ديوانها "عرش لبلقيس"، تمثل تجربة شعرية معاصرة هائلة، ربما لعبت فيها الغربة والتشبع، إضافة إلى ثقافاتها التراثية الرصينة، بثقافات أخرى بحكم إتقانها للغة الإنجليزية، دورًا مركزيًّا. لقد فتح لها هذا الامتياز الأبواب على مساحات ثقافية وإنسانية أخرى، يبدو أنها تضيء في نصها بشكل مثير للفضول، وإن كانت في بعض الأحيان تومض ولا تشع، مشيًا على سنة الغموض الفني للشعر الأصيل الذي لا يمنح ولا يمنع، ذلك أن "مهمة الشعر لا تقوم على قول كل شيء بل على إثارة الحلم بكل شيء"، بحسب (رولان بارت)، وتقول دينا الشيخ في قصيدة "عرش لبلقيس":

هي الكثيرةُ

والدّنيا تُقلْلُها

هي القليلةُ في أحزانِها عِفّةْ


في الهندِ

تخبزُ للهندوسِ ضحكتَها

وفي سمرقندَ تهدي عالِمًا سقفَهْ


تُهندسُ النّغمَ الكونيَّ

في سبأٍ

كذا سُليمانُ سمّى قلبَها "نِصفَهْ"



غلاف ديوان عرش لبلقيس للشاعرة دينا الشيخ
ديوان عرش لبلقيس للشاعرة دينا الشيخ


ويكتظ شعر دينا الشيخ بالمضامين ذات الأبعاد القومية والوطنية، فهي تبكي كل الأزمات العربية تقريبًا، وتتغلغل في متاهات الزمن العربي الراهن بكل لا منطقياته وتراجيدياته الفسيحة؛ من فلسطين إلى بغداد، ومن طنجة إلى الخرطوم، وما بينهما وما تطرَّف عنهما.

ولعل سؤال الهُوية بالنسبة للسودان وروافده الثقافية ما زال منبعًا حتى اليوم للأجيال المتأخرة، إذ تقول دينا الشيخ في لفتة متفهمة ومعبرة إلى الشاعر الكبير محمد الفيتوري، في نصها "حادي الإشارات": حدقتْ فيك الجهات المرمريةْ حين غطتك السماوات العليَّة تُكمل الحدسَ انشراحاتُ النُّهى مذ تقصَّتك المنارات القصيةْ مشرئبٌّ لانهمارات الضحى قاسمتك الشعر والنزف الهُويَّة

وتلمع إلى جانب نجوم الشواعر السودانية المعاصرة أقمار شعراء نحتوا لأنفسهم طرقهم الخاصة في القول الشعري، مسلحين بثقافة فلسفية وأدبية وبثروة معرفية في عصر السماوات المفتوحة كما يُعرَفُ، من أمثال الشاعر والناقد أسامة تاج السر والشاعر محمد عبد الباري الذي استطاع أن يكرس نفسه كعلامة شعرية، ضمن جيله من شعراء السودان، على المستوى الوطني والعربي برمته، شادا كمانه الشعري في كوكبة من العازفين الشعريين الممتازين من أمثال:متوكل زروق وبحر الدين محمد وعبد القادر المكي المجذوب وإدريس نور الدين وأبوبكر الجنيد يوسف والواثق يونس وعمر مبارك أبو عرف وآخرين كُثر.

يقول متوكل زروق: بكل صباح ترقرق عصفورة في دمي شجنًا أصفرا

وتفر الجراح إلى خدر باهت وتؤوبْ

وحماماتي السبع بعثرنَ في الأفق أجنحة ومسدن الرياحْ

كلما ابنعثت ريشة من علٍ هجستني... وقسمني الظن معزوفة وصدى للغيابْ يا حماماتي السبع: أين دمي؟ إن المتتبع للشعر السوداني المعاصر يدرك بوضوح أن هناك حبلًا سريًا يجمع هذه الأجيال في إطار المثاقفة والحوار الشعري المغربل بمنخل زمني دقيق، ويدرك أن الحركة الشعرية في السودان كانت دومًا موازية ومحايثة للانقلابات الشعرية التي عرفها الشعر العربي خلال العقود الماضية، إن لم تكن هذه الحركة سباقة إلى منابع الإبداعية؛ لما يحظى به هذا البلد من تنوع ثقافي وحضاري، ومن حب راسخ للشعر تجسد في تقاليد شعرية ممتدة أثْرت متن الشعرية العربية ووسعت مساحاتها وآفاقها إلى أبعد حدّ.

أخيرًا يجدر بنا أن نعترف أن إطلالة كهذه لن تفي الشعر السوداني المعاصر حقه، لكننا أردنا أن نلقي ولو نظرة سريعة على هذا الحساء الشعري الهائل والذي يتطلب الغوص فيه وقتًا أكثر ومساحة أرحب، وأدوات نقدية على قدر قامته الفارعة.

댓글


bottom of page