top of page

سرديّة الماء.. الدلالة والتأويل


مصطفى عطية جمعة
مصطفـــــى عطية جمعــــة - مصــــر

مصطفى عطية جمعة

مصر

الفنّ الروائيّ في جوهره هو إعادة تمثيل وتقديم الحياة الإنسانيّة بشكل سرديّ، هادفًا إلى تدوين جوانب من تفاعلات الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها، والزمان الذي يحيا فيه، والشخصيّات التي يعايشها. فهو يقدّم وجوهًا متعدّدة للحياة والأحياء وعناصر الطبيعة، والماء أحد هذه الوجوه، إن لم يكن عنصرًا أساسيًّا لها. صحيح أنّ السرد هو قصّ عن الإنسان في نشاطاته ومشاعره وأفكاره وأحداث حياته، ولكن كلّ هذا يدور في بيئة مكانيّة؛ تحوي أرضًا وسماء، وماء وهواء؛ تغلّف القصّ، بل إنّنا إذا قرأنا السرد وفق عناصر المكان، وعلاقة الإنسان بها، فإنّ دلالات عديدة تتوالد، كاشفة عن خصوصيّة كلّ مجتمع. فالماء هو الحاضر الغائب في كلّ مجتمع إنسانيّ، سواء كان مجتمعًا زراعيًّا أم صناعيًّا، صحراويًا أم بحريًّا، ممطرًا أم مقفرًا، وهذا ما يدفعنا إلى قراءة السرد الإنسانيّ، ضمن علاقته بالماء والأرض، وهي علاقة أزليّة، شكّلت ذات الإنسان: مشاعره ومزاجه وأفكاره. فشخصيّة البدويّ في جدب الصحراء، تتّصف بالشدّة والجفاء والصبر والارتحال الدائم؛ عكس شخصية القروي الذي ينعم بالماء والحقول المزروعة، فهي تمتاز بالسماحة والطيبة والتآلف والاستقرار، أمّا شخصيّة الإنسان الذي يعيش في بيئة بحريّة، فإنّ سماتها الجسارة والإقدام والاندفاع، بحكم أنّ مصدر رزقهم هو الصيد والغوص والتجارة.



الماء

ومن هنا، تتأتى قراءة الماء بوصفه عنصرًا سرديًّا، مؤثرًا في حضوره وغيابه، على الشخصيّات والأحداث، وهي قراءة تنظر إلى الماء بوصفه مكوّنًا مكانيًّا، وبيئيًّا، وحياتيًّا، مؤثرًا في تشكيل طبائع الشخصيّات، وصناعة المواقف، وإثارة الأحداث.

ففي المجتمع الريفيّ، الماء صانع الخضرة التي تمتدّ على مرمى البصر، متجسّدة في الحقول والبساتين، بل إنّ مفهوم الثراء في الريف يعني امتلاك المساحات الأكبر من الأرض، والمقصود بها الأرض الزراعيّة المرويّة بالماء، أو التي يصلها الماء بسهولة، فالأرض الجدباء لا قيمة لها، ولا حياة فيها، ولا بيوت ولا قرى عليها.

وما أكثر الروايات التي تناولت حياة الريف، ومشكلاته، وصراعاته، وكان الماء هو في خلفيّة المشهد، وصانعًا للأحداث، ففي قصّة "شيء من الخوف" لثروت أباظة (1927-2002)، والتي تحوّلت إلى فيلمٍ سينمائيّ العام 1969؛ يُعَدُّ من روائع السينما العربية؛ نشاهد في أحداث الفيلم، كيف انتقم عتريس من أهل القريّة، عندما رفضوا الإفصاح عن قاتل أحد أعوانه، فقام عتريس بإغلاق الهويس (محبس القناة المائيّة) أيامًا متّصلة، ممّا أدى إلى جدب الأرض الخصبة وتشققها، واصفرار الزرع، وصراخ الرّضع على أكتاف الأمهات، بعدما جفّ الحليب في صدورهنّ؛ لقلة الطعام، وجلس الفلاحون في قاع الترعة الجافة، ينظرون بحسرة إلى بوابات الهويس الحديديّة، التي تحظر الماء خلفها، غير قادرين على تحريكها؛ يمنعهم الخوف من جبروت عتريس، وترصّد رجاله وسطوتهم، وقد أذاقوا القرية ويلاتٍ بالإتاوات المفروضة عليهم. وحدها كانت الفتاة "فؤادة"، التي امتلكت الشجاعة، واقتربت من مِقْوَد الهويس، وراحت تحركه بقوة، فاندفع الماء ليملأ الترعة، وقفز الرجال عاليًا، يصخبون ويضحكون وهم يُغرقون أنفسهم وأولادهم بالماء المتناثر. واستمرت فؤادة بكلّ همّة، وهي جذلة بالفرحة التي عمّت عيون الأطفال والنساء، وحضر عتريس برجاله، واستحال غضبه إلى سكون فقد رآها واقفة، شامخة، شجاعة، وهي حبيبة قلبه في صباه وشبابه البكر.


مدن الملح
الخماسية الروائية مدن الملح

وفي الخماسيّة الروائيّة "مدن الملح" للروائي عبد الرحمن منيف (1933-2004)، نرصد الماء بوصفه عنصر الحياة، في مجتمع صحراويّ، الجفاف عنوانه، والقيظ ملمحه، والأرض الجدباء بلا قيمة فيه، ويعيش السكان في واحات وقرى، تعتمد على الآبار وعيون الماء، يزرعون القليل من الأرض. وفي المقابل هناك قبائل بدويّة، تضرب في الصحراء، بحثًا عن الماء والكلأ. فخلفيّة الحياة جدب، يدفع الناس إلى الحفاظ على كلّ قطرة، وادخار الطعام القليل، الذي لا يزيد عن كسرات الخبز، وحبّات التمر، وبعض اللحم، مما يجعلهم في حالة كآبة مستمرة، وكلّ هذا لندرة الماء، وهو ما نقرأه جليًّا في رواية "تقاسيم الليل والنهار"، ولذا، يؤرخون حياتهم بسنوات المطر الوفير، أو الجدب الشديد. فدومًا عيونهم مشرئبّة إلى السماء، حين يحين موسم الأمطار، تستجدي قطراته (ص57). فالجدب يحيل الصحراء إلى عالم مجهول، يعجز "هاملتون" الأجنبي على فهمها، أو حتى استيعاب خرائطها، فعزم على اجتيازها شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وعايش القبائل البدويّة، وارتدى ملابسهم التي تشبه الخرق البالية، واكتشف أنّها بالفعل تلائم عالم الصحراء المقفرة، وأدرك أنّ الصحراء مثل المرأة المتقلبة، ولا بدّ من فهمها والتعايش معها (ص69)، وإلا ابتلعته، في رمالها، وقد يكون جسده طعامًا لوحوشها، وكلّ هذا لندرة الماء فيها.

ويظهر في الخماسيّة، انحياز منيف لأهل البادية، وغوصه في تفاصيل حياتهم، التي ألفوها، ثم مأساتهم، مع إرهاصات ظهور النفط وما تبعه من أحداث وفجائع، غيّرت من أنماط الحياة، وعلاقات البشر، فقد صُدموا بموجة التحديث.

وفي العالم الروائي لإبراهيم الكوني (1948) نجد تصويرًا للجدب، هناك في أقصى جنوب الصحراء الليبيّة، حيث قبائل الطوارق التي ينتمي إليها، ونقرأ في رواياته الكثيرة، تفاصيل دقيقة عن عادات وتقاليد هذه القبائل، وعلاقة الإنسان بالطبيعة الصحراويّة وموجوداتها وعالمها المحكوم بالحتميّة والقدر الذي لا مفرّ منه. لقد برع الكوني في تصوير عالم الصحراء، بوصفه معبرًا عن الوجود الإنسانيّ كلّه، تظهر فيه كلّ علاقات البشر: العشق، والعداء، والارتحال، والعلاقة بين قاطني الجبال والأودية الجافّة، والكائنات الحيّة التي تدبّ على سطحها، وفي جحورها. فنقرأ في روايته "البئر"، سردًا مميزًا للصحراء القاحلة، وهي تمتد إلى ما لا نهاية، مع رحيل الشيخ "أخواد"، وكأنّها تتحداه، ولا تنوي أن تنتهي، بل وتطارده في خلفه، وتغرقه في متاهة أبدية، لذا، هو يحتمي بناقته، خوفًا أن تذروه الرياح العاتية، وتلقيه في أعماق الأودية الجافة، أو أن يذبحه أحدهم، ويتزود بمخزونه من الماء. إنّها متاهة قهرته، وامتصّت ماءه، وأفقدته صوابه. ولنا أن نتخيّل حالة الإنسان المرتحل، والجدب والخوف والموت يؤطره، وتمتلئ نفسه بمخاوف الجنّ والشياطين الرابضين في الخلاء. فلا يمكن قراءة هذا السرد بمعزل عن الماء الذي افتقدته هذه الصحراء، فأضحت رمالها مقابر لمن فقد طريقه، ونفد ماؤه. ونجد في قصة البئر إشارة إلى قصة الجميلة "تانس"، التي تاه أخوها في الصحراء، ووجدته ميتًا من العطش، فأقسمت أن تنتقم من الصحراء، ولذا، تناجيه في قبره أن بالها لن يهنأ حتى يغمر قبره في الصحراء الماء الوفير، لتدرك أن تانس قد أوفت بوعدها (ص54)، بأن أحضرت الماء ليغمر قبره. فهنا الماء عنوان الحياة، وعلامة على الراحة عند الموت.



رواية تغريبة القافر
رواية (تغريبة القافر) لزهران القاسمي

وفي رواية "تغريبة القافر" لزهران القاسمي، نجد عالمًا روائيًّا كاملًا، يعزف على الماء، في مجتمع عُمان، وقد تفنن العمانيّون منذ أقدم العصور في توفير مصادره، وهو ما أتاح حياة قرويّة مستقرّة، ويتعمّد المؤلف وصف قنوات الماء، وعيونه، وآباره، ونشعر أنّنا نهبط ونصعد، ونحن نعايش الماء المتدفق بين الصخور، وفي الأودية والسهول، نقرأ: "هبطا واديًا، تجري مياهه على حجارة الصفا، وتتجمع في أحواض صغيرة، ثم تتسرب في رمل مختلطة بحجارة مصقولة، لتخرج من مكان آخر. يمرّ الماء عبر تلك الأرض الحجرية المصقولة، مثل قنوات نُحتت بمهارة وعناية، في مكان يعمه الصمت والسكون، لولا ذلك الحوار الطويل الذي لا يخفت للمياه المتدفقة.. وهناك حوض تتراقص في أعماقه أسماك الصدّ الصغيرة، وتخطُّ على صفحته حشرات دائرية الشكل خطوطًا تشبه ملحمة روائيّة طويلة"(ص48).

فمن عبقريّة الإنسان أنّه يستطيع أن يتكيف مع بيئته، ويستثمر مصادر الماء فيها، فإذا كان الإنسان في الصحراء فهو منقبٌ عن مواطن الماء، ويعيش بالقرب منها، ويحافظ عليها أن تضيع في الرمال، بل إنّه يضن على نفسه بقطرات من الماء يشربها في ارتحاله، خوفًا من نفادها سريعًا. ولكن الحال مختلف بعض الشيء في بيئة عُمان التي يكثر فيها المطر، فيبتكر فيها الإنسان سبل الحفاظ على المطر، بنحت قنوات تتلقفه من قمم الجبال، والمرتفعات، وتنحدر به إلى الوادي والسهل، حيث يتمّ تجميعه في غدير، يعتمد عليه أهل القرية في زراعاتهم. وقد قرأنا في المقطع السابق، وصفًا لقنوات الماء في الصخور، وكيف أنّ البحيرات الصغيرة، عاشت فيها أسماك، وطارت فوق صفحة مياهها حشرات. فالماء يحمل الخير أينما كان، وقد يكون سببًا في الموت أيضًا، وهو ما نراه في الحادثة المحوريّة للرواية، التي تتناول غرق الزوجة مريم في قاع بئر، حيث توقف الطارش أمام هذا الجسد المستقر في عمق البئر، واحتار في ماهيته، فاستنجد بالناس صارخًا، ليحضر سريعًا سيف بن حمود، فهبط بحبل إلى البئر، ليجد عيني المرأة مفتوحتين، فارتعب وسارع بالخروج خائفًا، فلجأ الناس إلى الوعري، الذي يتغلب على الصعاب دومًا، سواء في تسلق الأشجار، أو في الغوص في الأفلاج العميقة، فركض حافيًا، وأخرج الجثة، بعدما أغلق عينيها. لقد كانت مريم بنت حمد ود غانم، وكان زوجها حاضرًا، وعندما قام بغسلها وتكفينها، اكتشفت النساء أنّ بطنها به جنين حيّ، فاستفتوا الشيخ، فأفتى بأن يترك ليموت مع أمه، فعارضه الحاضرون، فلا معنى لزهق روح نفس بريئة، وسارعت القابلة، وشقت بطن مريم، وأخرجت جنينًا ولدًا، يطلق صرخة الحياة الأولى، وهي ترتل قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت}(ص11ـ 15).

وقف أهل القرية ينظرون إلى البئر بوصفها عدوًا لهم، خاصة زوج مريم، الذي تحسر على زوجته الغالية، وقد رآها مكومة أسفل البئر، والناس من حوله يحوقلون، غير قادرين على إخراج الجسد المستقر في العمق. لاذ الزوج بالصمت، ولم يذكر حمل امرأته، لولا انتباه المغسلات له. إنّه الماء عندما يكون قاسيًا، وسببًا في الموت.


رواية ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ
رواية ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ

وقد يكون الماء شاهدًا على ما يجري من أحداث على سطحه، كما نراه في رواية "ثرثرة فوق النيل" لنجيب محفوظ (1911-2006)، والتي نلمح من عنوانها كيف أنّ نهر النيل سيحمل على صفحة مياهه الجارية ثرثرة ما. وعندما نقرأ الرواية، نكتشف أنّ ثمة بشرًا يلتقون في عوامة تتأرجح على نيل القاهرة، وهم أخلاط متعددة: ممثل شهير، وموظف حشاش، وفتيات ليل. المفارقة أنّ المؤلف يؤنسن النهر، ويجعله شاهدًا على مجريات الأحداث، فهذا "أنيس زكي" أحد روّاد العوامة، يعود من عمله، ويرتدي جلبابه الأبيض، ويجلس في شرفة العوامة، "جاريًا ببصره، فوق الماء المنبسط، كأنّه مستقر ساكن، لا يتموج ولا يتلألأ، ولكنّه موصل جيد لأصوات السكان في عوّامات الشاطئ الآخر، في صفها الطويل، تحت أغصان الجازورينا والأكاسيا"(ص11). هنا النيل ساكن، وحقَّ له السكونُ، حتى يَسمعَ ويُسمع - مَن يستقر على سطحه - كلمات أهل العوامة، الذين يعيشون في غيٍّ، وخمر، وشهوة. وقد ظلّ النهر في هذا الدور طيلة الرواية، فهذا أحدهم "نظر إلى الليل، فرأى مصابيح الشاطئ الآخر، تنساب في باطن النهر، كأعمدة من نور، ومن عوامة بعيدة، عن مجال البحر، حمل النسيم أنغام موسيقى وغناء"(ص56). لم يثر النهر، ولم يتوقف ماؤه عن الجريان، بل تكفل بأن يكون مرآة، تعكس الأضواء، في حين قام النسيم الرطب الذي يحمل أريج النهر بنقل أنغام الموسيقى. أمّا أهل العوّامة فهم إذا أرادوا مزيدًا من الدعة في سهراتهم، فإنّهم ينصتون إلى "وشوشة الموج وهو يرتطم أسفل العوّامة..، (وها هو) القمر الذي أوغل فيما وراء العوّامة، ناحية الطريق، ساحبًا فوق سطح الماء لآلئه"(ص72). وفي نهاية الرواية، يستشعر أنيس زكي، وهو يرنو إلى النيل، أن النهر سينتقم، فهناك "شيءٌ حدّثه بأنّه عما قليل، سينشق سطح الماء القاتم، عن رأس الحوت"(ص156)، فقد شعر أنّ النهر الشاهد الصامت، ربما ينقلب على من أفسدوا على سطحه، ولكنّه إحساس بلا معنى، فلا حيتان تعيش في النهر، وإنّما هو خيال عقل مخدَّر.

إنّ قراءة الماء في السرد تتطلّب منظورًا يتجاوز الرؤية التقليديّة التي تجعل الماء أقرب إلى الجماد، إلى رؤية رحبة، تمتاح من فضاء التأويل، حيث يصبح الماء عنصرًا فاعلًا، في تكوين البيئة، وصناعة الحدث، وتظلّ هيمنته ممتدّة، على الشخصيّات، وتقلبات الزمن بهم، مع الأخذ في الحسبان، أنّ الماء أيًّا كان شكله؛ مطرًا منهمرًا، أو عين ماء فوّارة، أو نهرًا جاريًا، أو جدبًا وجفافًا، قد يكون سببًا في الحياة، وسببًا أيضًا للموت، وقد يكون ساكنًا، أو شاهدًا، أو منتقمًا، بما يدفعنا لفهم أكثر للماء الذي هو عنصر وجودي.



Comments


bottom of page