top of page

الشعر والجمهور

تاريخ التحديث: ١ نوفمبر ٢٠٢٣


د. محروس بريك
د. محروس بريك

بقلم: د. محروس بُريِّك



مطلعَ هذا القرن كنت أدير إحدى الندوات الشعرية بالمنتدى الشعري الدائم بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وكان يجلس إلى جواري على المنصة الشاعر الكلاسيكي المعروف محمد التهامي (1920 – 2015). صعد إلى المنصة أحد شباب جماعة الشعر التي كنت أشرف عليها، فألقى قصيدة موزونة مقفاة مُطرِبة، فاهتز التهامي طربًا، ثم توالت الأصوات الشعرية على هذا النمط الموزون المقفى فما كان من التهامي الذي كان قد تجاز الثمانين من عمره آنذاك إلا أن صاح بصوت عالٍ (الناس بتقول عمودي..!! القصيدة العمودية لم تمُت.. الشعر العمودي لم يمت !!)، لم يكد التهامي يصدق نفسه وهو الذي عاش خمسين سنة من عمره متمسكًا بالإطار الخليلي للقصيدة العمودية هو وفئة قليلة من الشعراء وسط أمواج قصيدة التفعيلة العاتية، وها هو يستمع إلى ثلاثة أجيال تلقي القصيدة الخليلية في ندوة واحدة بدار العلوم. رحم الله التهامي فقد كانت كلمته هذه شاهدة على ميلاد اتجاه شعري جديد صار الآن واضح المعالم، وصار له شعراؤه في شتى بلدان الوطن العربي.

لا شك أن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي كان له الدور الأكبر في أن يصبح لهذا الاتجاه الشعري جمهوره العريض بعيدًا عن أروقة المنتديات الرسمية التي كانت تهيمن عليها أصوات شعرية بعينها، وبعيدا كذلك عن أوعية النشر الرسمية التي كانت تحتفي بنمط شعري دون سواه، فلم يعد الجمهور يُدعى إلى الشعر بين جدران الأروقة الرسمية، بل صار الشعر يسعى إلى الجمهور دون عناء، وأكّدت المسابقات الكبرى تلك الغلبة الواضحة لهذا الاتجاه على مدار ربع قرن حتى الآن.

لكنّ الشعر فنٌّ نُخبَويّ بلا شك، وفي مجاراة الشاعر لجمهور وسائل التواصل الاجتماعي وحرصه على الحضور اليومي – مخاطرةٌ تضر بالشعر والشاعر، والمحصلة كما نرى مئات القصائد اليومية التي هي أشبه الأشياء بالوجبات السريعة التي لم تنضجها نار الرَّوِيّة، ولله درّ ابن الرومي حين قال:

نارُ الرَّوِيَّة نارٌ جِدُّ مُنْضجةٍ وللبديهَةِ نارٌ ذَاتُ تَلْويحِ

وَقَدْ يَفضِّلُهَا قَوْمٌ لِعَاجِلِها لكنَّهُ عاجِلٌ يَمْضي مع الريحِ

تلكم هي الحقيقة الماثلة أمام أعيننا والتي لا ينبغي للشاعر الحقيقي أن يغفل عنها فلا يقع في فخّ اللُّهاث خلف إرضاء أذواق العامة من جمهور وسائل التواصل الاجتماعي، ولا ينبغي كذلك أن يكون حريصًا على الحضور اليومي، لأنه بلا شك حضور عابر، والمحصلة قَبْضُ ريح.

إن الدعوة إلى التأني في عصر لاهث كهذا العصر ضرورة ينبغي أن يتنبه لها كل صاحب مشروع شعري حقيقي، وليدع إذن تلك الضوضاء لأنصاف الموهوبين وأرباعهم، أما هو فينبغي أن يحمل همّ الشعر، ولابد أن يعي أن للشعر وظيفة، وليعلم أن أفلاطون ما استبعد الشعراء من مدينته الفاضلة إلا لأنه قد رآهم قد خانوا وظيفة الشعر الحقيقة فصرفوا الناس إلى الهزل من القول!

وعلى الرغم من احتفاء الجمهور بالشعر عبر تلك الوسائل الجديدة فإن النقد – عدا محاولات خافتة - ظل واقفًا يتفرج دون أن يسهم في تصحيح مسار هذه الموجة الشعرية العارمة، ولعل أحد أهم أسباب ذلك العزوف انشغال النقاد بنقد الرواية عن نقد الشعر، إن هذا العزوف عن الشعر سيطيل بلا شك أمد التجريب الذي ما زالت تمارسه فئة لا يستهان بها من الشعراء الكبار في هذا الاتجاه، وهذا نذير بخروج هذا النهر الجارف عن مساره، بعدما أصبح هناك انبهار بكل ما ليس مألوفًا من الصور والأخيلة من جهة، وبعدما سقط عدد لا بأس به من الشعراء الشبان في مستنقع تقليد تلك الأصوات الشعرية من جهة أخرى، مما أدى إلى أن تصبح نصوصهم نصًا واحدًا مستنسخًا لا جديد فيه على مستويات الرؤية والخيال وطرائق البناء اللغوي، وهذا ناتج من نتائج انبهار شباب الشعراء بالنماذج التي تفوز بالمسابقات المليونية، ومحاولتهم تقليدها والسير على منوالها واقتفاء أثرها؛ ظنًّا من أولئك الشعراء أنهم بذلك يستحقون الفوز بالجوائز خاصة بعد فوز بعض الأصوات الشعرية المغمورة - وأحيانًا المتواضعة - بتلك الجوائز.

لقد كاد النقاد يختفون عن المشهد لولا حضور شرفي في تحكيم جوائز تلك المسابقات، وصار الجمهور مشاركًا في التحكيم، وغدَا الشاعر حريصًا على استرضاء أذواق أولئك النقاد الذين حكموا على تلك النصوص بالجودة، وأذواق الجماهير التي صوّتت لتلك الفئة من الشعراء، وهو تصويت تحكمه معايير أقلُّها حضورًا المعيارُ الفني، خاصة أن فئات عريضة من تلك الجماهير لا درايةَ لها بفن الشعر وطرائق إبداعه، فغَدت تلك النصوص نسخًا مكررة لا تنبئ عن التمايز بين أفراد ذلك الاتجاه الشي العام.

ومما يزيد الأمرَ تعقيدًا في هذا المشهد الشعري غلبةُ النقد الانطباعي لدى فئة من النقاد الذين يتصدَّون لتحكيم بعض المسابقات، ولم يعد النقاد الكبار يهتمون بنقد الشعر نقدًا علميًّا إلا فئة تعد على أصابع اليد الواحدة شرعت – على استحياء - في نقد القصيدة الراهنة في السنوات الأخيرة.

إنني أقول مطمئنًا إن القضية ليست قضية الشعر في المقام الأول بل هي قضية النقد، ليست القضية في أن يكتب شاعر ما يشاء أو يكتب غيره من الشعراء الشبان ما يشاؤون، إنما القضية قضية الناقد الذي يسمح لبعض الغثاء بأن يُنافس الدُّر، خاصة مع تحول النقد إلى نقد انطباعي وقتي على وسائل التواصل الاجتماعي وفي المسابقات التي تتطلب من الناقد رأيًا آنيًّا أمام عدسات الكاميرات.

وعلى الرغم من أن المشهد الشعري والنقدي يعاني من كل تلك المشكلات وغيرها مما يضيق المقام عن ذكره في هذا المقال – فإن الشعر بخير، وهو لا يحيا في معزل عن الجمهور الواعي، لكن حاجة الشعر للنقاد أشد من حاجته إلى الجمهور، وما دام الناقد منشغلا عن الشعر ستظل تلكم الثنائية (الشعر والجمهور) مهيمنة، وسيظل أحد أضلاع هذا المثلث غائبًا، فهل سيأتي يوم قريب تكتمل فيه تلكم الثلاثية في العنوان فيكون عنوان المقالة (الشعر والنقد والجمهور)، لعل ذلك يكون قريبًا !

Comentários


bottom of page