top of page

الشعراء النقاد… بين الإلهام والصنعة

تاريخ التحديث: ١ نوفمبر ٢٠٢٣


حنان فرفور
حنان فرفور

لم يكن الشِّعر يومًا مخلوقًا أليفًا، فمهما ربّتَّ على رأسه، ومسحتَ على شعره، وأطعمتَه روحك، وأشربته ماء عينيك، فإنّه ـ على الأرجح ـ لن يسلّمك أسراره، وستبقى على تخوم معناه الغامض اللذيذ، متفكّرًا متأملًا ينهشك الفضول.

ولأنّ كلَّ غامض عصيّ غالبًا ما يستثير الإنسان، استفزّت الكتابةُ الشعريّة ـ بأسرارها وأسبابها ودوافعها ومساراتها المبهمة ـ المهتمين، فكلّ ما لا يتكشّف للباحث وفق قوانين المنطق والواقع والتجربة، إمّا يُطرد وينبذ ويُقصى، كما فعل المؤمنون بالوعي وتمثلاته الواقعيّة، وعلى رأسهم (أفلاطون) الذي أقصى الشعر والشعراء من مدينته الفاضلة، أو يؤلّه ويُرفَع إلى مصافٍ مقدسةٍ بأثواب الغواية والرفعة؛ تحبّبًا وتقرّبًا وانبهارًا، كما فعلت الأمم قديمًا بشعرائها.

إلا أنّ فريقا ثالثًا، فريقًا من الكتبة والمبدعين، أولئك الذين يؤمنون بأنّ الشعر إضافة إلى كونه كشفًا شفيفًا عن مكنونات النفس الإنسانيّة، ومحاولة إبداعيّة للتأسيس بالرؤية والجمال، وتحطيمًا متقنًا من أجل بناء مُتجاوِز، آمنوا أنّ باستطاعتهم كونهم "أبناء الكار" أن يُسهموا في محاولة فهم هذا الكائن والتنظير له وتطويره، لأنّه كما قيل: لا وجود لناقد يؤسس لنظريات جديدة دون احتكاكه بالنصوص الإبداعيّة، ولأن النقد دائمًا على رأي "راندال شارل" يأتي بعد العمل الفنيّ، فهو لاحق إبداعيّ على سابق فني.


إنّ هؤلاء "الشعراء/ النقاد" يعود لهم الفضل منذ البدء لرتق الصدع الأزليّ وترميم الشقّ بين عالم الأدب/ اللاوعي، وعالم النقد/ الوعي، من أجل أن تُدرأ عن النقاد تلك التهمة الملصقة بهم، بأنّهم مبدعون عاجزون، وللردّ على قول (رينيه ويليك) الذي ذهب فيه إلى أنَّ: "ما يجعل المرء حكمًا مناسبًا على شيء هو عجزه عن خلقه".

لذا كان استطلاعنا هذا مختصًا بالشعراء النقاد حصرًا، الذين استطاعوا أن يوازنوا بين دور العقل والعاطفة في عمليّة الخلق، أو الصراع بين الإلهام والصنعة، فكيف يوازن هؤلاء بين التنظير العقليّ والتحليل المنطقيّ والمعرفة الأكاديميّة والثقافة العميقة، وبين الخلق العفويّ الجماليّ والدفق الشعوريّ الحر؟ وهل أفادوا من هذا المزج أم أنّه شكّل حاجزًا وعائقًا أمام إنتاجهم الشعوريّ؟


يقول الشَّاعر والناقد السوريّ عبد القادر الحصنيّ، عند سؤاله: من المؤكّد ـ بالنسبة إليّ - أنّ الوعي النقديّ يصبُّ في مصلحة التجربة الشِّعريّة للشاعر، وهنا، أركّز على كلمة "الوعي" التي وردت في السؤال، الوعي بما هو خلاصة ثقافة؛ إذ إنّ الثقافة في كلِّ مجالات العلم والمعرفة والحياة يغني وعيُها التجربة الشعريّة، فكيف إذا كان هذا الوعيُ في النقد الأدبيّ الذي هو مَسيسُ العلاقة بالشعر؟!!



عبد القادر الحصني
الشاعر والناقد السوري عبد القادر الحصني

هذا على وجه العموم، أمّا على وجه الخصوص فإنّنا نجد تباينًا من شخص إلى آخر في تمثُّل هذا الوعي وفي الصدور عنه ممارسةً، وأراني - والحالة هذه - أمْيَلَ إلى الشاعر القارّة في وعيه أوّلانيّة الشِّعر على كلِّ ما يقال عنه، ولا أعني بالأولانيّة الأسبقيّةَ فحسب، بل أعني صدورَه عن أغوارٍ أعمق في كيان الشاعر: جسدًا، ونفسًا، وعقلاً، وروحًا، من تلك التي يصدرُ عنها الكلامُ عليه، فبعدَ كلِّ كلامٍ في النقد يبقى في الشعر رؤيةً ورؤيا وتبانيَ نسيجِ نصٍّ ما هو فارٌّ من طائلة النقد، ولا سيّما في تلك الدراسات التي تحكمها مناهجُها... تلك الدراسات التي لا أرى الكثير منها يقع في خانة النقد، ولا أرى أصحابها نُقّادًا، فالناقد يمتلك فوق مقدرته على الدرس موهبةً تطاولُ موهبةَ المبدع في استبصار مكنونات النصّ.


على ذلك، أرى من البؤس أن يترسّم الشاعر في كتابة قصائده ما يسترضي الدارسين أو دارسين معيّنين وما يريدونه للشعر، ويحضرني هنا قولُ ابن الفارض:

ولا تكُ ممن طيّشته دروسُه

بحيث استقلّت عقلَه، واستقرّتِ


فأشجار النظريّات آيلةٌ إلى الذبول واليبس، بينما شجرةُ الحياة دائمةُ الخضرة، وبستان (أكاديميوس) الذي بُنيتْ عليه أوّلُ أكاديميّة في التاريخ أوسعُ مما شُيِّدَ عليه من بناء، وكثيرًا ما يتراءى لي الشاعرُ مطرودًا من الفلاسفة الذين اصطحبوه معهم إلى حديقتهم، لا لسببٍ إلّا لأنّه صارحهم بأنّ الحديقة أوسعُ وأجملُ من "الحقيقة" التي يتحدّثون عنها.



ووافق الشاعر العراقي رئيس قسم اللغة العربيّة في جامعة الموصل والمحاضر في الأدب الحديث ونقده أ. د. جاسم محمد جاسم العجة، فإنّه ليس ثمة تعارض بين الشاعر والناقد حيث يحافظ على مساحة كلّ منهما، مع ميله وانحيازه لسلطة الشاعر وعفويّة النصّ أولًا، يقول:



أ.د. جاسم محمد جاسم

أنحاز إلى الشاعر فيّ على حساب قرينه الناقد، ومما يثير الاستغراب لدى من يقرأ لي شعرًا ونقدًا، أن يلاحظ أن ثمة بونًا بين اهتمامي وثقافتي النقديّة، وبينَ تنفيذي الشعريّ لتلك الاهتمامات، بمعنى أنّني ـ بحُكم تخصّصي في النقد الحديث، وسياحتي في دهاليز المناهج النّقديّة الحديثة ـ من المفترض أن ألجأ الى قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر؛ باعتبارهما التنفيذ الأقرب إلى روح زادي النقدي، لكنّني لم أمارس سلطة النقد وموجباته على قصيدتي لحظة ولادتها وتخلُّقها، إذ أتناسى في لحظة حضور القصيدة كلَّ ما لقنني النقد، وأكتب على النحو الذي يرضي نزق الشعر بداخلي، تاركًا إياه أن يلبس الثوب الذي يرتئيه، ولكن ذلك لا يلغي تسلل الثقافة النقديّة إلى القصيدة في مرحلة تالية لتشذيبها والوصول بها إلى مرحلة الرضى والنشر.



د. أحمد بلبولة


أما الناقد والشاعر المصريّ، عميد كليّة العلوم بجامعة القاهرة، د."أحمد بلبولة" فله رأي مغاير، إذ يرى أنَّ الجمع بين النقد والشعر مربك، لكن في البدايات حصرًا، وعلى عكس المتوقع، يذهب إلى أن الشاعر بما يمتلك من موهبة ربانيّة في تكثيف المجاز يولد بها، غالبًا ما تعوق وتعرقل عرقلة شديدة عمل الناقد، وتحُول موهبته هذه دون إتقانه الكتابة الأكاديميّة التي لا بدّ أن تلتزم الحقيقة، وتتخلص من أعباء البلاغة الباهظة، الشاعر إذن أكثر هيمنة وسطوة على الناقد؛لأنَّ الشعر يمثل الجانب الروحيّ، لكنّ الخبرة والمران كفيلان ـ فيما بعدُ ـ بأن يتوازن الفرسان ويتصالح النقد مع الشعر، حيث يتوارى أحدهما حين يجب على الآخر أن يصول ويجول.





د. علي نسر

وإلى الخلاصة نفسها يذهب الشاعر والناقد اللبناني، أستاذ النقد الأدبيّ الحديث في الجامعة اللبنانيّة د."علي نسر"، فلا يرى صراعًا بالضرورة بين ثنائيّة العقل والعاطفة، بين اتزان وهدوء ولغة الناقد الموضوعيّة، وبين عفويّة وجنون وانزياح لغة الشاعر، يقول:

ليس من نصٍّ أدبي، إنشائيًّا كان أم وصفيًّا، شعرًا أم نثرًا، إلا وفي طياته تكمن ثنائيّة الذاتيّة والموضوعيّة... تلك الثنائيّة التي لا يمكن أن تكون ضِدِّيّة كما يتوهم الكثيرون، بل هي تكامليّة، إذ لا يخلو نص من طرفيها، بل يخضع النص لسيطرة جانب من هذين الجانبين.. كما لا يوجد متلقٍّ للنص قبل كاتبه، سواء في مرحلة ما قبل الكتابة أو في أثنائها أو في لحظة الولادة، قبل أن يصبح النص ملك المتلقين الآخرين، وهذا يؤكد أنّ النَّص الشعريّ أو السرديّ الإبداعيّ، خاضع لسلطة التقويم من قبل صاحبه أولًا، فكيف إن كان صاحب النص ناقدًا؟!!... ولكن هذا لا يعطي الكاتب صلاحيّة التجرّد من الذاتيّة والعفويّة وكلّ ما يجعل النصّ حالة إبداعيّة، أو يؤدّي به إلى التحرّر من كلّ ما يطمس هويّته الفنيّة، بل ينبغي أن تكون تدخلات الناقد في الكاتب محدودة، وعند الضرورة جدًّا، كما يكون هناك تدخلات لشعريّة الكاتب في أثناء كتابة نصّ نقديّ وصفيّ تواصليّ... وهذا ليس جديدًا على الساحة النقديّة، بل إنّ معظم نقادنا السابقين أشاروا إلى أهميّة تشذيب النصوص قبل إرسالها إلى ميادين التلقّي تحت عناوين مختلفة، ومنها الصناعة الأدبيّة، عبر بتر ما هو زائد كما يبتر بستاني أجمل غصون الشجرة لتنمو أكثر، لكنّ هذه الصناعة الضروريّة ينبغي ألا تتجاوز حدودها؛ كي لا تصل إلى التصنّع، وهنا يعيش الكاتب بشَخْصَيْهِ النقديّ والإبداعيّ في النصّ، فلكأنّ شَخْصَهُ جُزآن، ومن ثَمَّ تفرض طبيعة النصّ عليه إمكانيّة سيطرة جزء على جزء دون إلغائه؛ لأنّ الثنائيّة هنا تكامليّة نديّة وليست ضديّة.




د. ج. محمد عبد العظيم

في جانب مغاير يرى الناقد والباحث المغربي أستاذ اللغة والأدب والحضارة، د.ج "محمد عبد العظيم" أنّ العلاقة التي تجمع بين الشعر والنقد علاقة "غريبة"، فللشاعر ـ بحسب رأيه ـ ذات مستقلة تدَّعي "التحرّر" والنبوغ، ولها أن ترفض القيد والنقد، وحتى تحدّيهما والسخرية منهما، وقد بدا ذلك عند الكثير من الشعراء، ومنهم أبو تمام في تراثنا العربي؛ غير أنّ البعض منهم يستدعي النقد، ويطلب منه الشهادة والإجازة؛ ليكون حُجة له ودافعًا لإبداعه، فالكثير من الشعراء يحتج لمكانته بمدى الاهتمام بما يبدع ويلقي..

وقد يلتقيان في ذات واحدة، فيكون الشخص ممن يرى نفسه مبدعًا وخبيرًا بتقويم الإبداع في آنٍ واحد، وهنا تكون العلاقة بينهما أعسر وأشدّ إحراجًا، ويكون الناتج أحد أمرين متناقضين، فبالتقاء المقدرتين في الذات الواحدة يحتدم الصراع وتختلف النتائج، فإمّا أن يتمرّد الإبداع ويستهين بصوت الناقد في ذات مبدعه ليواصل القول حرًا، أو يراعي أحكام قدرته الثانية، فيخضع إبداعه لها ويسعى إلى الإجادة، أو أن يراها قيودًا كابحة، فتلجم صوته وتدفعه إلى الصمت والتسليم بالعجز... وكم من قائل، قديمًا وحديثًا، صرح بأنّه كان يدَّعي الشعريّة، ولما عرف حقيقة الشعر وجوهره سلّم بالعجز عنه فسكت.

غير أنّ هناك فئة أخرى تمسكت بالاثنين، وارتأت الحُكم لذاتها بالنبوغ والتميز فيهما معًا، فواصلت في دور الحَكم والمحكوم فيه؛ بل إنّ البعض منهم اتخذ النقد في شعره مرجعًا وموضوع قول، أي قول شعر من معانيه النقد، ويكون ذاك ـ في الغالب ـ بإصدار أحكام في قوله الشعريّ تكون غالبًا مدحًا وتمجيدًا، ولكنّه قد لا يفطن إلى أنّه قد أساء للاثنين معًا، إذ يفقد شعره الكثير من شعريّته ويفقد نقده سمة موضوعيّته.



د. ياسين بن عبيد

ولا يبتعد الشاعر والناقد الجزائريّ أستاذ الأدب المقارن والأدب الصوفيّ بجامعة سطيف، د.ياسين بن عبيد عن ذلككثيرًا، حيث يرى أنّ الوعي النقديّ لا يقطع الطريق على الإبداع، بل إنّ المراجعة النقديّة الذاتيّة من شروط احترام الشاعر لعمله الإبداعيّ، على حد وصفه، ومن هنا يلتقي عمل الناقد والشاعر معًا، ويصبّ في مصلحة المنتج الإبداعيّ، يقول مثمنًا دور الشعراء النقاد:

إنّ ما يصدق على الشاعر يصدق على الناقد، وما أنا بخارج من جدليّة الشعر/النقد حتى أوضّح أنّ الحالة نفسها تتكرر بمعيارين، يقوم فيها شخص واحد بدورين؛ صحيح أنّ هناك من النقاد من لا يمارسون الإبداع، ولكنّا في حال اعتبار منجزاتهم صحيحة أو ذات صدقيّة، فهي غير قابلة للمقارنة بمن يمارسون النقد بصفتهم شعراء، أو ينهضون بالشعر بصفتهم نقادًا؛ وقد انتبه الشعراءُ قديمًا إلى هاته الخاصة، فبدأوا بعرض نصوصهم على شعراء سابقين ولم يعرضوها على من تَمَحَّضَ لنقد الشعر بعيدًا عن إنتاجه؛ أمّا إذا قسنا الأمر بمعايير اليوم، ونظرنا إلى الجدليّة في معارضها الحداثيّة، فإنّا واجدون تنظيرًا لهذا الأفق لا يُبقي للشعر فضاءَه الخالص، ولا يبقي للنقد خاصتَه المحكومة بالتبعيّة للإبداع بشكل عام. وللتخلّص من المعضلة، أثارت المدارس الحديثة إشكاليّة النقد تحت عنوان العِلْميَّة، وأضفت عليه صبغة الاستقلاليّة، بل التحكّم في الإبداع نفسه، بحيث لم يعد للشاعر أن يكتب إلّا ما وافق أهواء النقاد، ولم يعد هناك من سبيل لاقتراح جماليّ إلّا ذائقة من نقاد خارجيّين يثمنونه ويمضون له شهادة الميلاد.

الإطار النقديّ العربيّ يختلف عن غيره؛ لأنّ فلسفة الإبداع مختلفة، غير أنّ فينا من لا يُلقي بالًا لمشكلة التحلّل من مقتضيات الخصوصيّة، ويعتبر الأمر من مشمولات الكونيّة، ومن خصائص الإنسان الفنان لا تجري عليه قواعد التحييز، وما هو بالأمر الوجيه في نظري؛ لأنّ الإنسانيّة ـ وإن كان لسانها الوجدانيُّ واحدًا ـ فإنّ مكوناتها السيكولوجيّة، وذائقاتها، وحواسها الداخليّة، غير ملتقية على نموذج فريد؛ وما بعض الناس بهذا الصدد بتابعٍ قبلةَ بعض.



يتبيّن ممّا تقدم، ورغم اختلاف بعض الآراء ظاهريًّا بشكل جزئيّ، إلا أنّها تلتقي بشقّها الأكبر وتقول بإمكانيّة نجاح التزاوج الشرعيّ بين الشعر والنقد، كلّ ما يحتاجه الأمر شاعر "حرّيف" يتقن النزوح بين عالمي الوعي واللا وعي تبعًا لرياح النصّ ومتطلباته.

يتجاور إذن، هذان الكِيانان الهائِلا الشروق والسطوع، العميقا الغور في الذات المبدعة، الحريصان على تدوين لحظات التجلي والتخلي، ويبقى للشعر بشكل خاصٍّ، والفنِّ بشكل عامٍّ، سبق الفضل، وعظيم الأثر، ودوام البقاء، ما دام يصدر عن نفس صادقة تخلص للجمال، و"تُقربن" له ذاتها الشغوفة على مذبح الحياة.

Commenti


bottom of page