top of page

الاختراق اللغوي للعقول

تاريخ التحديث: ١ نوفمبر ٢٠٢٣


فاضل الجميعي

الترجمات العربيّة: التأسيس المفقود

لم تكن الترجمة ترفًا فكريًّا في أحد الأيام، فحيثما وُجدت في إقليمٍ ما، فهي تحمل معها بشائر المعرفة ونقل العلوم والخبرات. إن التجارب التي قدّمتها الأمم المختلفة في تبنّيها للترجمة تحتاج للدراسة والتمحيص الدقيق لاستخلاصالفوائد والعوائد التي نتجت من تلك التجارب بما تلاها من استزادةٍ بالمعارف وتحقيق نمو تعليمي شمل أغلب العلوم المعروفة في كل زمن.


المُستعمِر من التخلّف إلى التقدّم

لقد كانت العديد من البلدان تجهل الأساسيات التي قامت عليها كثيرُ من العلوم، وكانت الترجمة هي الفتح المبين الذي نقل تلك البلدان من متاهات الجهل إلى ميادين الابتكار والإنتاجيّة.

فكما لا يزال العرب يتذكّرون الازدهار العلمي الذي تحقّق في فترات من عهد الخلافة العباسيّة نتيجةً للترجمة الواسعة لأمّهات الكتب في الفلسفة والطب والأدب و العلوم، فإن المجتمع الأوروبي من خلال ترجمة مؤلفات العلماء العرب، انتقل من ظلاميّات القرون الوسطى إلى مرحلةٍ جديدة، قوامها البحث والتفكير والاستطلاع، ممّا جعلهم يقفزون قفزةً حضاريّةً كبرى، متجاوزين بقيّة الأمم ليتسيّدوا ميادين العلم التي أهّلتهم لاحقًا لتحقيق السيادة الاقتصاديّة، والسياسيّة،والعسكريّة،


إنّ الترجمة علمٌ عظيم، تلعب دورًا جوهريًّا ليس فقط في نقل ثقافة وحضارة البلد، بل بمقدورها أن تؤكّد تقدّم ثقافةٍ ما على بقيّة الثقافات.


أمركة الثقافة


إنّنا نجد في عصرنا الحاضر تسيّد الثقافة الأمريكيّة لمعظم ثقافات العالم وعولمتها؛ لتكون ثقافةً واحدةً تتجاوز الأعراق والأعراف والعقائد لتُصبح ثقافة عالميّة ذات معايير موحّدة تشمل الجميع بمنطقها ومحتواها، إلّا أن التساؤلات لم تزدد ولم تتوسّع كما هو الحال اليوم حول جدوى الاستمراريّة على هذه الثقافة المستوردة، وماذا حقّقت للأوطان؟ وكيف يمكن التخلّص منها؟ وهل من الممكن أصلاً التخلّص منها؟ وما هي نتائج وعواقب التخلّي عن الثقافة المعولمة؟!

أمركة الثقافة كما أنها طغت لتشمل كل البلدان فإنها واجهت أيضًا رفضًا من الكثير من الدول النامية الساعية للتحرّر والتمسّك بثقافتها الوطنيّة والقوميّة، ولكن المفعول السحري للثقافة نجح نجاحًا باهرًا وهربت صفوة العقول لتلك الدول المتقدّمة؛ لتحظى بالمكانة الرفيعة، وبكافة الوسائل المطلوبة ليواصلوا أبحاثهم وليعملوا على اختراعاتهم ونظرياتهم في جامعات ومعامل الغرب، بينما الدول العربية صارت كـ شجرة خريف سقطت أوراقها ورقة تلو أخرى، إلى أن أمست عاريةً من أوراقها.


مشروع عربي شامل للترجمة


ولكن كيف لنا أن نستعيد التمكّن المعرفي انطلاقًا من الترجمة؟!

إنّنا أمام مأزقٍ حقيقيّ وفجوة تتّسع يومًا بعد يوم، فمشكلتنا ليست فقط بالنقص في الترجمة مع مشاكلها العميقة من تجاهل لحقوق المترجم أو ضعف الترجمة، بل إنّ المشكلة الكبرى تكمن في نوعيّة الكتب المُترجمَة وإلى أي مدى نحتاجها؟

فكثير من الكتب المُترجمة في العالم العربي ليست ذات أهميّة للواقع العربي، فهي لا تُقدّم إضافةً حقيقيّة في معظم العلوم والفنون والآداب، وليست هناك حاجةٌ أصلاً لترجمتها، وهنا نصل لمشكلةٍ أكبر تتعلّق بالأهواء الشخصيّة للمترجمين أو للمؤسسة المسؤولة عن الترجمة، وهي أن الترجمات لا تحصل لحاجةٍ وطنيّة وفقًا لمشروع نهضة مدروس محدّد الأركان ذو هويّة واضحة نابعة من عقيدة وتقاليد وطموح السكّان، فتحصل الكثير من الترجمات بسبب ميول صاحب الدار لفنٍ أو مواضيع معيّنة، بل تتعمّد غالبيّة الدول المتخلّفة منع ترجمة الكتب الجادة والمتفوّقة في مجالها، وذلك حرصًا من تلك الدول المستبدّة لإبقاء شعوبها في حالة التخلّف والتبعيّة؛ ممّا سبّب ضمورًا معرفيًّا واسعًا في عالمنا العربي، واستخفافًا بالعلم والعلماء فصارت ثقافة السخافة هي الرائدة برواجها الواسع في مختلف الأقطار العربيّة.

فكيف سنتمكّن من تأسيس مشروع للترجمة ينبع من تطلّعات ومطامح الوطن العربيّ بما يسد الفجوة الواسعة والآخذة في المزيد من التوسّع؟!

إنّ البداية الجادة ستكون صعبة ومُكلِفة وستتطلّب اتخاذ قرارات مؤلمة، لكنّها ضروريّة للبدء في تنظيم وترتيب دار المعرفة العربي ونقله من الفوضى والعشوائيّة إلى الترتيب والتنظيم بمعرفة نواقص واحتياجات كلّ بلدٍ عربيّ وماذايحتاج لترجمته، وماهي الوسائل الطبيعيّة والماديّة التي تتطلّب ترجمة البحوث والكتب عنها، وكيفيّة تهيئة الفئات المقصودة للعمل بما يُحقّق الاستدامة في العمل، وبالتالي تحقيق المراد من الترجمة.


مواهب تنتظر الفرصة


المواهب في الترجمة موجودةٌ لدينا، لكن المفقود هو العمل المُثمر الذي يضمن حقوق المترجمين ويكافئهم بما يستحقّونه، وفي الوقت نفسه يتمّ إخضاع ترجماتهم للنقد والمُساءلة، فلا يتمّ اعتماد كتاب مترجم ولا نشره إلا بعد التأكّد من استيفائه للشروط الصارمة التي تضمن مصداقية ما تمت ترجمته، وأنّ نقل النص من لغته الأصليّة إلى اللغة المُستهدفة قد تمّ بإبداعيّة ومصداقيّة، لذا لا بد للمترجم من أن يكون متمكّنًا ممّا يترجمه، فترجمة الكتب الأدبيّة والفنيّة تختلف عن ترجمة الكتب الفلسفيّة والمنطقيّة، وتختلف عن ترجمة الكتب العلميّة، وهنا نشير لضرورة الاختصاص، والاستزادة المستمرّة من المعارف في الفرع الذي يُفضّل الترجمة من عناوينه ومُؤلّفاته.

إنّ ضمان حقوق المُترجِم كاملةً، مع ضمان مكانته التي يستحقّها، ستدفع بعجلة التنمية المعرفيّة للأمام، وسنظفر بكتب مُترجمة مضمونة الجودة العالية وذات مصداقيّة، تؤهّلها للرواج والانتشار والاستفادة من الكتاب المُترجَم.


الكتاب بحاجة للقارئ


تتضافر العوامل وتتآزر لتحقيق الغاية المُبتغاة من وراء الترجمة، فلا فائدة من ترجمة أحد المؤلّفات مهما كان مهمًّا، ما دام ليس هناك قرّاء جديرون به، إنّ قلّة معدّلات القراءة في عالمنا العربي هي إحدى الحقائق المُزعجة والتي بسببها نرى الواقع المروّع في وطننا العربيّ من ناحية انخفاض معدّلات الإنتاج العلميّ، والتراجع في المستوى الأكاديمي لغالبيّة الجامعات، بل وفي كلّ مناحي الحياة. وبالرغم من وجود بعض الإنجازات النسبيّة، لكن ذلك لن يُحقّق الغايات المنشودة على المدى البعيد، ما دام التوجّه العام هو السير على النهج ذاته في غالبية أنحاء الوطن العربي، الأمر الذي أدّى إلى استقرار الفساد وبطء التنمية المستدامة.

إنّ الجديّة في دخول مجال الترجمة يتطلّب بالضرورة وجود جيلٍ قارئ، متعلّم، مثقّف وذي وعيٍ كافٍ يفرق بين الغث والسمين، حيث إنّ البحث في مكامن القصور في المجالات المتقدّمة عالميًّا، التي نحتاج لنُترجم عنها، يستدعي أن يكون الكتاب المترجم مقدمة لتطوراتٍ أكبر، تشمل ابتعاث الطلاب والمهتمّين لدراسة تلك العلوم، والاطلاع على التطوّرات المتلاحقة في المجال المقصود، وكذلك إنشاء المؤسّسات والمنظّمات التي تتولى تدريب وتخريج دفعات مستمرة من المختصّين بالتعاون مع الجامعات والكليّات المحليّة والدوليّة، وكذلك لا بد من التسويق الفعّال للكتب المُترجمة لتصل لكلّ الشرائح المُستهدفة، بما يحقّق الغاية من ترجمة الكتاب، وألا يبقى حبيسًا لرفوف بعض المكتبات النخبويّة أو المعارض الموسميّة فقط.


ترجمة الروايات


ترجمة الروايات الأجنبيّة هي إحدى الأمثلة التي تستحق الوقوف عندها طويًلا؛ للتأمّل في نجاحها أو فشلها.

فهناك الكثير جدًّا من الروايات التي يتمّ ترجمتها من لغات أجنبيّة بالرغم من رداءة تلك الرواية، ومرّات بسبب ضعف الترجمة نفسها، ممّا يُفقد الرواية قيمتها الحقيقيّة، وفي الوقت نفسه فإنّ هناك عشرات الروايات العربيّة الرائعة التي لم تحظ بالترجمة وبعض ما تُرجم لم يحظ بالتسويق المناسب الذي يلفت انتباه القارئ الأجنبي لاقتنائه.

إنّ ترجمة الروايات تتطلّب العديد من العوامل التي لا بدّ من مراعاتها قبل البدء في الترجمة، فمن المهم الاتفاق مع: النقاد المختصّين، والمجلات، والصحف الثقافية، للترويج للكتاب عبر تقديم قراءةٍ عنه، وكذلك إجراء حوارات مع كلٍّ من المترجم وكاتب الرواية، وعمل حفلات توقيع الكتاب في المكتبات المرموقة ذات الشعبيّة الكبيرة، إضافةً إلى السعر المناسب، وجودة الطباعة. فلدينا في العالم العربي عددُ كبير من الروايات والقصص القصيرة التي تستحق أن تنال الذيوع والانتشار العالميّ، نظرًا لجودة محتواها، وفرادة أسلوبها، وبراعة السرد للكاتب. كما أنّ العمل على زيادة الجوائز الأدبيّة لدينا، بشرط تولّي لجان ذات نزاهة وصرامة في اختيار الأعمال الجديرة بالفوز، سوف يُسهم في اكتشاف المواهب الصاعدة في مجال الكتابة السرديّة التي لم تنل نصيبها من الذيوع العالمي، بعكس كثير من الكُتّاب في أمريكا الجنوبيّة، ممّن نالوا حقّهم من الانتشار العالمي، وكذلك بدأنا نرى مؤخّرًا اهتمامًا بترجمة ما يكتبه الروائيّون الأفارقة، وهذه علامة طيّبة تحمل بشائر خير بأنّ ثمّة توجّه لقراءة الآخر، والتعرُف على ثقافته وإبداعه.

إنّها مسؤوليّةُ مُشتركة بين: الروائيّ، والمترجم، ودار النشر، ووزارات الثقافة العربيّة، وحين يتمّ تنظيمها والعمل عليها بالشكل الصحيح، فإنّ النتائج ستكون مُبشّرة بأن يتبوّأ الروائيّون العرب المكانة اللائقة التي يستحقّونها.



Commentaires


bottom of page